|
|
||
|
رؤية نقدية د. مدحت عبدالجواد دراسة نقدية حول رائعة الأديبة الكاتبة هدى حجاجي العقارب تلدغ الأموات
رؤية نقدية للأستاذ الدكتور مدحت عبدالجواد
استاذ الأدب والنقد بجامعة الرياض
دراسة نقدية حول رائعة الأديبة الكاتبة هدى حجاجي
العقارب تلدغ الأموات
العنوان كالعادة يصنع الدهشة والغموص وهو يعطي إشارة واضحة ، ويرتبط في ذكاء مع أحداث القصة ، فالأديبة تشير بلفظ العقارب إلى المصاعب والنكبات التي تعرض لها البطل ، ذلك الموظف الذي تعمدت أن تحفي اسمه كنوع من الإسقاط والتعميم المقصود ، فهى قصة مكرورة في مجتمع مطحون ، وشريحة اجتماعية منتشرة ، والعقارب معلوم أنها تلدغ كل ما يقابلها لاتفرق بين طيب أو خبيث ، وهكذا كانت رسالة الأديبة واختيارها الألمعي ، وقد أشارت لحال الموظف بالأموات ، كما تشير أيضا بلفظ العقارب للظروف السيئة التي أحاطت بالبطل والناس القساة الذين لم يرحموه رغم أنه حي ميت .
عنصر المفاجأة في المقدمة يختلط بالتشويق حيث تبدأ القصة بغموض صارخ ، رجل يجتمع عليه الناس ويضربونه ويتصلون بالشرطة لتأخذه ، دون أن تكشف عن السبب، وهنا يلجأنا الفضول المعرفي فنرتبط بالأحداث ونلتصق بها، ونتساءل لماذا ؟ وما جريمته ؟ .!!
.وهنا تنتقل الأديبة نقلة مستخدمة تكنيك الفلاش باك
لتعود به إلى الماضي، وتبدأ تكشف الأحداث ، ولن تسطيع أن تصل إلى السبب إلا مع نهاية القصة .
القضايا الاجتماعية : كعادة الأديبة المتألقة تطرح قضايا ساخنة، وكلها قضايا حيوية وجمال الإبداع أنها تقدمها بزوايا مختلفة وجديدة وطرح متفرد ،( قضية الموظف المطحون ، .الزحام ، البحث عن مسكن ، فرصة العمل ، خطيبته ومشاكل التكاليف ، الرشوة ومخالفة الضمير في العمل ، الصراع بين الشرف والخيانة والزنا ).
الحباكات المتوازية : تكنيك فني صنعته الأديبة بالطرح لهذه القضايا الاجتماعية في انسياب سردي متتابع دون تعقيد .
تمثيل المرجعيات الثقافية : وإعادة تدويرها في صورة متجددة فكأنك تجلس أمام أبطال الأفلام القديمة وتعاودك الزكريات لشكري سرحان وتحية كاريوكا وفاتن حمامة .
الترميز والإيحاء : أبدعت الأديبة في هذا التكنيك في العنوان وفي تتبع المشكلات دون الغوص في تفصيلات مجحفة ، وفي الجمع بين الفأر كرمز والموظف المطحون المخدوع .
تعدد درجات التمثيل السردي والصراع في إنتاج موضوعات تحدث تنازع نفسي، وتتبدل بين طبائع البشر، وتمثل ذلك في اختلاف الرؤى والفكر بين الأبطال واختلاف وجهات النظر والصراع بين الفضيلة والخيانة .
تأويل المرجعيات والتمثيلات المتنوعة عليها مما أضفى قيم فنية رائعة على أحداث القصة .
تكثيف الأحداث الواقعية مما جعل القصة نصا نشيطا صالحا لكل عصر وزاد من هذا العمق التوتر الثقافي في الطرح المتنوع والعميق .
صراع الرغبات والتطلع والطموح والفضائل ومقاومة الشهوات كل هذا صنع من القصة لوحة فنية مليئة بالحيوية والتجدد والعمق النفسي وتعدد مستويات التأويل .
النهاية التي أبدعت فيها الأديبة فجعلت البداية والنهاية يتصارعان ، ووضعت القاريء في حيرة وصراع نفسي ..
هل يتعاطف مع هذا الموظف ويلتمس له العذر ؟!
وهل هو المسؤول عن هذه الجريمة ؟ أم تلك المرأة التي كانت مثل العقارب واستغلته وأوقعت به كالفأر في المصيدة ؟!
ولم تترك الأديبة الأمر بل أوقعت عليه الجزاء ولكنها أدهشتنا أيضا وجعلتنا نتساءل هل هذا الجزاء كاف ؟!
وفي النهاية كعادة الأديبة تترك لنا قصة مشبعة بالقيم المطلقة ، المدعومة بنسق من العلاقات الاجتماعية ، وكما ذكرت سابقا إننا أمام أديبة ذات طبيعة خاصة وخصوصية متفردة في عالم القصص .
..................ّّّّ.
الأديبة الكاتبة هدى حجاجي
*العقارب تلدغ الأموات * كتبت –هدى حجاجى ............................... علت الأصوات ...أمسكوا هذا الفتى ...لاتجعلوه يهرب ... تجمع سكان العمارة ... أغلقوا عليه الباب ... واتصلوا بالشرطة ...شرطة !!! هل ننتظر الشرطة ؟! لابد أن نضربه ولنجعله عبرة لغيره .
كيف تجرأ ؟! وكيف سمح لنفسه بهذا ؟! ماذا يعتقد فينا ؟! وبعد أن أبرحوه ضربا ...أغلقوا عليه الباب في انتظار قدوم الشرطة ...بدأ يلهث ويستعيد أنفاسه ..ليت الشرطة تسرع في الحضور لتنقذه من أيديهم ...لم يعد يتحمل مزيدا من الضرب واللكمات ....بدأ يتذكر ما حدث معه ...وأخذ يستعيد ذكرياته ..وكيف وصل لهذا ؟! وأخذ يسأل نفسه ... ماذا كان يجب علي أن أفعل ؟! لماذا يلومنني كل هذا القدر ؟!....تأخرت الشرطة وبدأ يتذكر .....
كان يمشى على الرصيف ...بين موجات من اللحم البشرى ...الساخن ...اللزج يشعر بغربة رغم الزحام ...يمشى متهدلا ...يحمل طائر الحزن على كتفه ....تتصفح عيناه لافتات الدكاكين والمشارب ، والحوانيت المنزوية فى أشتباه ، يقطع الطريق منحنى فجائي ...العين لا تعي هذا السيل من الصور ، لا يدري.. كيف وصل إلى هذه البقعة الصغيرة من العالم ، هذه البقعة الهائلة ...الغاصة بالأسواق والهمهمات والوجوه البليدة، المتخشبة غابات من الأسمنت ...وحين أراد شقة لم يجد ...الأرقام المطلوبة فوق طاقة أى موقف ..أرقام فلكية ...ولحل المشكلة .....كان النفى إلى الخارج لخدمة الآخرين أو النفى إلى الداخل وحين عرض على خطيبته أن يعيش فى الواحات ......أو فى الصحراء ...أتهمته خطيبته ..بالجنون وهاجمته بالجنون وهاجمته حماته ... وقالت لابنتها : أما قلت لك أنه مجنون رسمى !............................................ سيل من المطر الأسود ينهال على قلبه , وعلى المدنية والذى يؤلمه كل الألم ...هو أنه لا يعرف الحل . اتهمه زملاء العمل بانغلاق التفكير...وأنه ( لا... يتفاهم !) (. ماذا لو تغاضى عن بعض الشكليات !) . (يا أخى عش ودع غيرك يعيش !) (الدنيا جنيه! ) العالم قرش ! همهمات جهنمية !!!...همسات هى مسامير فى نعش الفؤاد .... يمشى فى دروب طويلة ...يطرد هواجس الهاموش ....يمنع اللون الرمادى أن يتسلق إلى ضميره كيف انتهى به البحث عن شقة ....إلى لا شيء غرفة مفروشة صغيرة فوق السطوح ...غرفة على شكل حرف ل ... وصالة صغيرة ...مستديرة مثل حبل المشنقة ...صاحبة العقار سيدة تعرف كيف تصل إلى ما تريد؟! تعرف ما تريد ...وكثيرا ما ترتطم به على السلم أثناء أنقطاع التيار الكهربائى ...الأمر صدفة ! انزوى فى ملابسه ....تنكمش أعضاؤه فى داخله ...يأتى متأخرًا كل يوم ؛ لأنه يمشى بلا هدف ....يجوب المدينة الفسيحة ..ويعود كل ليلة وقد دب الارتخاء فى قدميه ...يضع الجريدة اليومية تحت إبطه ..وربما كتاب شعر ..وكيس به العشاء الخفيف جبن وزيتون أسود أو أخضر و جبن رومي وأحيانا بسطرمة ...أو كيس به بيض .....وقليل من الخبز أو الأرغفة يأكل حتى تمتلأ معدته ....وهو يتناول الطعام وعيناه على الجريدة وأذناه مع الراديو ...يستمع إلى دشيش الأقطار البعيدة ، ويمزج ملح طعامه بأخبار الهزائم والنكسات .... والتبريرات العقيمة وربما استوقفه خطف طائرة ....عرب .....يخطفون عربا ...وصور لمضيفات جميلات مقتولات ( وكانت تصعد إلى سطح المنزل ...امرأة أربعينية ...لا شك أنها صاحبة المكان ..هل جاءت تطلب الهواء النقى ...أم تطل من فوق السطح على واجهة البيوت الأخرى ...وأحيانا يجلس فى يوم الأجازة ...يأتي بالكرسي، وكأس الشاي ....والجريدة ولكنه يستمتع أكثر برؤية النمل ، وهو يجرى فى الشوارع ...وعلب صغيرة ...ملونة ...تقطع إشارات المرور ... .......................................................................................وأحيانا تفتعل الصدفة نفسها ....وتأتي السيدة الجريئة ...تطلب من يؤنس وحدتها ..كانت لديها الجرأة ..العينان تلتهمان كل شئ ..الوجه الممتليء الساعد البض ...الملئ بالأساور الذهبية ، وخاتم ماسي ...ولون شعرها الأسود يحيط بوجهها العريض ...يعلوه أشارب أحمر ...لا يدرى ربما يتوهم أن لديه فرصة دائما متاحة ، لكنه لا يعرف لماذا يخاف ؟!...إنها امرأة جميلة ...غنية ...سهلة ...تأتى إليه ، مثل : رشاوى الصباح لكنه أعلن الصوم عن الطعام واللحم ..شئ فى داخله يدعوه لرفض دعوة عالم متأكل ...اختلطت فى أعماقه معانى الطموح والاستشهاد ..كان يجرى وراء أوهام ...العلم بلا حدود ...الفن بلا تخوم ...الفكر هو المستقبل ..ولكن قدماه متورمتان ...نعم حفيت قدماه على سكن يصلح لعائلة وهمية يمكن أن يكونها فى المستقبل ...الكل يطلب جزية تقصف الظهر ..لا يدرى لماذا يتقزز من عالم متهافت . رغم أنه ابن تاجر بسيط ينحدر من سلالة فلاحين بسطاء جاءوا للمدينة هربا من أنغلاق القرية وربما وراء سراب أوهام ..وربما وراء الخبز القمحى الطازج ...أو السهر ..أو نساء أهل البنادر ...وكانت النتيجة ..مخيبة للبعض وباهرة للبعض الآخر ..انفصل البعض عن البعض .... أبوه كان دائرة تدور فى التيه ..وراح يلعق – الأب –أوهام السعادة مع لقمة دسمة ..معمولة بيد امرأة جميلة ...ويتقلب فى فراش ناعم ..أفضل بكثير من النوم على حصيرة جافة فوق الفرن ...فى حواري طينية ..وليالٍ مظلمة شتوية ،وهو من صلب رجل لا يعرف طعم الخصوصية ...فلا مانع عنده أن يعيش مع عدة أسر فى شقة واحدة ...نظام الثكنات ...مما جعل صاحبنا يمقت هذه اللزوجة ...واختلاط الأنفاس ..والأجسام التى لا تمنع يد لامس ...واضحى صاحبنا يعاني ويتنفس الغربة والغرابة والاستغراب ماله يتنفس الماضي المعبق برائحة الغبار ...ماله لا يتوقف عن ذكريات سرطانية ...وخلايا خبيثة ..إنه دائما كان يبحث عن الخصوصية ..... إنه يمشى ...يطول به الطريق ...تطالعه عشرات الوجوه ومئات الأسماء وآلاف الأمكنة وملايين الألوان وتهاويل التفاصيل .. ولكن هل ابتعد كثيرا أم أن الأشياء هى التي ابتعدت عنه ؟ سألته صديقته فى الجامعة ذات يوم مشمس تحت شجرة جميز عتيقة ألا تضع لمستقبلك خطة ؟لا يدرى ماذا يقول لها ؟!..ولماذا تحرك فكره؟! قال : المستقبل بيد الله ... ابتسم ...لكنها راحت تقلب السؤال بجدية - ألا تؤمن بخطة ؟ ألا توجد عندك خريطة ؟ لا أمل في التوقف قال : ماذا تعنين بخطة ؟ وهل حياتنا نهندسها بخطط.؟.... لا أعرف هل هندس أبي زواجه من أمي .... ولا أدري لماذا اخترت هذا المكان لأجلس فيه دون غيره؟! ! ضمت كتبها على صدرها الصغير ....وقالت وقسمات وجهها الجميل يقطر جدية : حينما يدخل الطالب كلية الطب :. يعنى ذلك أنه اختار مهنة الطب ، وأنه لن يعمل فى الهندسة أو المقاولات أو تصنيع الجبن ...هناك دائما تصور لما نعمله ....أليس كذلك ؟ - لا أدرى ما أقول لك ...ولكنى عرفت من درس الطب ثم اشتغل بالأدب واشتهر بالشعر والقصة . . وعرفت من درس الهندسة وأشتغل بتجارة الأجبان والألبان .... وكأنها وصلت إلى نقطة معينة ..فقالت : ولماذا نتخذ الشواذ قاعدة . الطريق ممتد ...واللافتات مكتوبة بحروف عربية ولاتنية ...يتوارى خلفها أو أمامها الوجه الجميل .... وذات مرة سألته صديقته : أراك تهتم بالأدب وهو ليس تخصصك ؟ - هو إيه تستبد بى ! - تذكر الأدب هوإيه ...وليس مهنة - أترين ذلك ..... - بكل تأكيد ...من قال أن الانفعالات مهنة - هناك من يحترف الأدب - لا أتكلم عن المطبعجية ! - يتوارى مرة أخرى الوجه الجميل . الذكى المثقف ...الوجه الجميل ، ونسى القوام الجميل ....كان غيره أذكى منه ...لقد رأها تلاعبهم بالكرة ....ويجلس إلى جانبهم رجل ممتليء ...عرف أنه زوجها ...صاحب معرض سيارات ..كم تغيرت صديقته ..أصبحت بدينة ...ثقيلة ..قوية ...أصبحت امرأة ! .دخل سوبر ماركت ..تذكر أن الثلاجة خاوية ..لكنه لا يكف من تأمل الوجه ...شراهة الناس ..السيدات جميلات ..شرسات ..لهن خبرة هائلة فى اللحوم ..يقلبن البضائع بأصابع مدربة !.. .........................................................................................- وللناس زحام ... كأن الحرب معلنة ، وهو لا يدرى ...كأنهم سيموتون غدا ! - خرج من المحل الفاخر المكيف ...يتصبب عرقا ..إنه لا ينسى اتجاه البيت وصل ..راح يصعد سلالم عتيقة , لكنها نظيفة ...كانت صاحبة البيت ..الأربعينية ..ترمقه من وراء الباب الموارب ..ترتدى أفضل ثيابها ..راحت تسوى شعرها ، وتضع الروج على الشفتين فى إتقان ...سمعت المرأة صوت خشخشة فى المطبخ . آه . الفأر الملعون ...إنه يلعب على مهله هنا وهناك لابد أن أضع الطعام الجيد له فى مصيدة جديدة ...ابتسمت للفكرة ,,سأضع له طعما لذيذا ,, ....لن يفلت من يدى مرة أخرى .- أرهفت الأذن ....سمعت الرجل وهو يصل إلى غرفته فوق السطوح ....لابد أنه سيجد الضوء الكافى أمام الباب ....ويجد قصرية الزهور ... والترتيب الجميل ....فى المدخل . الهدوء النسبى ....الناس مشغولون فى برامج التليفزيون... ربما تمطر السماء فى الصيف ! ...من يدرى ...وربما تهب موجة غبار ! فتحت الباب ....سمعت باب المصيدة يرتطم بشدة ...وخلفه الفأر المتمرد ...ابتسمت ....وقررت الصعود إلى أعلى ......
الكاتب: هيئة التحرير بتاريخ: الخميس 10-09-2020 08:47 مساء الزوار: 332 التعليقات: 0
|
|