|
|
||
|
دراسة نقديّة للمجموعة القصصيّة "التّيه" للأديب التّونسي حسن سالمي بقلم الناقد شكري مسعي
دراسة نقديّة للمجموعة القصصيّة "التّيه" للأديب التّونسي حسن سالمي
بقلم الكاتب و النّاقد التّونسي شكري مسعي
... الجزء الأوّل/
تصدير :
القصّة القصيرة لون أدبي راق جداً ورفيع المستوى حدّ الدّهشة، فهي لغة تواصل حقيقيّ للنّاس على الأرض بعد الكلام العاديّ واختراع اللّغة ، والجمال في لغتها وتصويرها وتراكيبها وفكرتها، وفي وميض جاذب يلتفّ بمن يسمعها ويصغي إليها، وفي عبقريّة مبدع يمكنه أن ينسجها في منواله ويخرجها تحفة فنيّة وأدبيّة رقيقة جداً ...
منطلقات وغايات :
لمّا كان صراع الإنسان الأبديّ ضدّ القوى الخارجة عنه محور مغامرة العيش والوجود، فإنّ الكتابة أحد الشّروط الملازمة لنشوء الوعي وتبلوره للإفلات ،عبرالكتابة والتخييل، من الواقع الصّارم الجاثم بثقله، إلى فتنة العوالم الممكنة، وإعادة تشكيل الواقع وتنظيمه في موازاة الحريّة التي يؤسّسها الوعي في علاقته بالعالم والمجتمع والدّولة، لتكون الكتابة ثورة دائمة على التقليد والجمود والتسلّط والطّغيان.
ولكلّ قراءة نقديّة منطلقاتها وفضاءاتها التي تشرع النّوافذ أمامها وغاياتها التي تستهدف بلوغها، ولعلّ أبرز المنطلقات لهذه القراءة هي ما عرف – نقديّاً – بالعتبات، ونعني بها الهامش الذي يحيط بالنصّ القصصيّ، أو الإضافات اللاّزمة التي تزيد النصّ القصصيّ إبداعاً وتوهّجاً.
وقد قرأت نصوصا سرديّة كثيرة وأقصوصات عديدة وولجت عوالم السرديّة من كوّة عين عديد القصّاصين .. وجدت الكثير ممّا يُمتع ويشدّ البصر والبصيرة ويحمل النّفس على التّطواف البعيد ، لكن عندما قرأت المجموعة القصصيّة (التيه) للروائيّ القاصّ التونسي القدير حسن سالمي توتّرتُ حتّى تحرّك الصّمت من حولي وتركت النّصوص لفترة ، وظللت أفكّر وأبحث عن لحظة هدوء وارفة أدخل من خلالها إلى هذا العالم القصصيّ الفريد عالم الحكي السالميّ.. وعدت أقرأ النّصوص من جديد.. وأصطنع لنفسي طرائق الوصال بين ضفّة القراءة المتبصّرة وضفّة الكتابة النقديّة المسؤولة ، إذ ليس من اليسير أن يحملك نصّ سرديّ على أجنحته الأثيريّة إذا لم يكن ريشه مضمّخا بحنّاء الحياة والواقع ومعجونا بماء الصدقيّة في التّصوير والجِدّة في التّعبير .. فأيّ معنى هو ليس هدف الكاتب ، إنّما هو إمكانيّة قرائيّة لرؤية العالم والواقع والنّاس يؤثّثها القاصّ ويمنحنا شرف العيش فيها .. والقاصّ حسن سالمي لا يكتب نصّا قصصيّا ، إنّه يبني حياة داخل الحياة .. يصنع كونا قصصيّا غزير الرّؤى ..وإنّ كلّ مقاربة لأيّ من نصوصه القصصيّة – قصيرة كانت أم طويلة – هي مجازفة تفترض التمعّن والتبصّر والحذر.. فأن تمنح نصّا قصصيّا حيّا نابضا حياة أخرى ليس بالأمر اليسير أو الهيّن .. سنحاول خلال هذه المقاربة النقديّة أن نستشفّ روح النّصوص ونعاشرها ونحياها ونستأنس بها أملا في مـنحها بريـقا متجدّدا ..
لقد عرف "جيرارجينيت"، العتبة العنوانيّة بقوله: إنها «نقطة ذهاب وإيّاب إلى النَّص..» (1) أيْ إشارات دالّة ورامزة تفكّ مغاليق النَّص و تُبين عن غموضه!! وعرّفها بقوله إنّها «علامات دلاليّة تشرّع أبواب النصّ أمام المتلقّي للولوج إلى أعماقه»(2) أي إنّها مداخل قرائيّة للوصول إلى أعماق النَّص.
اختار الروائيّ القاصّ حسن سالمي التّيه عنوانا لمجموعته ..
تاه تَيْهاً ، وتِيهاً ، وتَيَهانًا وتَوْهًا وتَوَهَانًا ، فهو تائهٌ ..تاه في الأَرض : ضلَّ وذهب متحيِّرًا ، " يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ" (3) ... إنّ العنوان وإن كان حمّالا للمعاني لا يكون صادقا دائما ..فكم من العناوين كانت مخاتلة ، مربكة وأحيانا صادمة .. وكم من العناوين كانت مرآة لمحتوى النّضائد وكم من العناوين كانت تيها بعيدا عن ما تفصح به النّصوص ..لكنّ الروائيّ حسن سالمي –وأعرف أنّه لا يطمئنّ كثيرا إلى العناوين ولا يسمّي مولودا من نصوصه حتّى يراه – كان قد اختبر هويّة المجموعة ووضعها تحت مجهر العيون القارئة المتعدّدة حتّى قبل أن يصدر المجموعة ، إنّه يرى بعيون قرّائه وإن كان لا يفكّر بعقولهم ..لذا كان التّيه بعد اطمئنان وسكينة ..وسنرى إلى أيّ حدّ كان العنوان أمينا لبصر القرّاء وفكر الكاتب وجامعا لتفاصيل القصص والأقصوصات والقصص القصيرة والقصيرة جدّا والنضائد ..
تعطينا هذه النّصوص القِصار، صورة عن محكيّ معيش ملتبس بالحياة ينطلق منها ليبنيَ عالمه الخاصّ و ينبش في ذاكرة الجماعة ويطرق أبواب النّفس يسائلها ويحاسبها ويمعن في نبش خفاياها ..هو محكيّ حسّاس وملتبس ، يحفر التفاصيل السريّة الخاصّة ويتعدّى الخطوط الحمراء. يقتحم التّابو الاجتماعي الأخلاقي والدّيني حينا ويعلن عن نفسه مُكاشفا فاضحا مُفسِّرا أحيانا أخرى ، إنّه محكيّ لا يجيد ارتداء الأقنعة والتخفّي ،محكيّ يصالح القارئ مع ذاته ويأخذ بيده إلى دنيا السرائر النقيّة في غير توجّس أو تردّد أو ارتباك ، هومحكي صريح وواخز وجريء وشجاع ، لا يتورّع عن قول المسكوت عنه، وتسمية الأشياء بأسمائها بجرأة القاصّ حسن سالمي وصراحته، و بذلك ينغمس مباشرة في حمأة الواقع الاجتماعي، ويصدر عن واقعيّة انتقاديّة واعية مسؤولة، واقعيّة فاضحة مبطّنة بالسّخرية السوداء.
إنّ (التيه..) يرصد بدقّة وجرأة ، وفي لقطات حكائيّة سلسة ومركّزة، تيه الذّات / المجتمع، الذي غرّته أدواء ومظاهر اجتماعية طارئة وجديدة ، كالبطالة والعنف والجريمة والسّكر الخيانة والفساد وتفسّخ العلاقات الأسريّة وتفشّي الظّلم والاستغلال والنّفاق والاستبداد والتمرّد، والاختلال العقليّ والعصبي... تلك هي التّيمات والهواجس القصصيّة المهيمنة على نصوص التيه والمنـزرعة عبرها والمصوغة دائما، بسلاسة سرديّة ذكيّة وجريئة وساخرة، تقول ما يجب أن يقال بما قلّ ودلّ، أي تقول وتكتب نمطا جديدا من القصّ .
التيه يمتدّ على ثمانٍ وعشرين قصّة منها ما هو قصير يتراوح بين إحدى عشرة صفحة( التميمة من الصفحة 31 إلى الصفحة 41) وتسع عشرة صفحة ( العنكبوت من الصفحة 34 إلى الصفحة 82) ومنها ما هو قصّة قصيرة جدّا أو ومضة أو شذرات تتراوح بين صفحة واحدة (غيمة وخمس صفحات (طلّقني من الصفحة 42 إلى الصفحة 46) .. قبل ذلك لابدّ أن نلقي الضوء – و لو بإشارات سريعة – على مفهوم القصّة والقصّ وما يتّصل بهما من حقائق حتّى إذا ما رُمنا ربطها بتجربة الكاتب حسن سالمي القصصيّة نجد ما يجعل أحكامنا تتنزّل ضمن خانة الموضوعيّة ..
يبرز السّؤال الأكبر، وهو: ما القصّة القصيرة إذاً؟ والجواب كما يقول (امبرتو ايكو ): "هي عبارة عن سرد نثريّ موجز يعتمد على خيال قصّاص فرد، برغم ما قد يعتمد عليه الخيال من أرض الواقع، فالحدث الذي يقوم به الإنسان، أو الحيوان الذي يتمّ إلباسه صفات إنسانية، أو الجمادات، يتألـّف من سلسلة من الوقائع المتشابكة في حبكة، حيث نجد التوتّر والاسترخاء في إيقاعهما التّدريجي من أجل الإبقاء على يقظة القارئ، ثمّ تكون النّهاية مُرْضيَة من الناحية الجماليّة ". (5).
ومن عناصر القصّة القصيرة، العنوان. ويمثّل العنوان عنصراً هاماً من عناصر تشكيل الدّلالة في القصّة، وجزءا من أجزاء استراتيجيّة أي ّنصّ أدبيّ. وتتنوّع العناوين، من حيث وظيفتها في القصّة، فثمّة عناوين تحيل إلى مضمون القصّة، أو تُسْتَمَدّ من مغزاها، وعناوين لها طبيعة إيحائيّة، وعناوين لها وظيفة تناصيّة، وعناوين لها طبيعة استعاريّة، وعناوين يؤتى بها لتشوّش الأفكار.
ومهما يكن الشأن، فإنّ القصّة القصيرة العاديّة يحسن بها أن تجمع حسن العرض إلى نموّ الحدث إلى المشهديّة المسرحيّة، كما يتوخّى من كاتبها أن يحكم بناءه ويحذق حبكته، ويختار مفرداته دونما ترخّص في الفصحى ودونما إغراق في التقعـّر، مراعياً اللّغة الوسطى، وذلك لأنّ تضحيته بما سبق، أو انحرافه إلى لغة شاعريّة مفعمة بالتأنّق والزّخرف والصّنعة، يجعله بعيداً عن السّمت المقصود، وقريباً من فنون أخرى، قد لا تحتمل القصّة أعباءها. ولا بدّ أخيراً من التّكثيف والتركيز اللّذيْن يجعلان من القصّة القصيرة لقطة سينمائيّة أو قطعة من نسيج أو ومضة من ضوء، تكتنز المعنى والمتعة معاً...وتُفضي قراءة القصص في مجموعة التيه للقاصّ حسن سالمي إلى الوصول إلى أنّ معرفة مظاهر السّرد (السالمي) يمكن أن تتمّ من خلال فحص ثلاثة عناصر هامّة، هي: الإيقاع، والسّخرية، والشخصيّة القصصيّة، مع الإشارة الباكرة إلى أنّ هذه العناصر قد نجدها في قصّة واحدة جميعاً، وقد نجد واحداً منها أو اثنين، وقد يغيب واحد أو اثنان وسنكشف ذلك خلال الدّراسة .
فالقصّة القصيرة كنصّ مكتوب هي تلك التّجربة الكشفيّة، التي يقوم بها الفنـّان حين يحاول أن ينظر إلى الأشياء بطريقة جديدة ، وهنا تحوّل القلم في يد حسن سالمي إلي جهاز أشعّة يكشف بؤر الفساد والأمراض المختبئة في تلافيف المجتمع.. بل تحوّل سنّ قلمه إلي إبَرٍ لِوخز النتوءات الضارّة في جسم المجتمع لحقنها بالأمصال بعد كشفها.
سنحاول استجلاء ذلك من خلال معاشرة نصوص مجموعته ولعلّ الخيط الذي يمسك النسيج تجلّى فى عنصر المفارقة التصويريّة الذي ظلّ قاسما مشتركا فى معظم نصوص المجموعة حيث المفارقة تقدّم الواقع الاجتماعي والسّياسي والنفسيّ للشّخوص والأبطال وانعكاسات ذلك على المكان والزّمان بطريقة تبعث على السّخرية من كلّ هذا ، وفى نفس الوقت ترسم ابتسامة ربّما تكون ابتسامة باكية في أغلب أحوالها وأحيانا تُغرقنا في بوتقة من الشّفقة والتّعاطف مع بعض الشّخصيّات .. وكما عرفت المفارقة بأنّها تعبير بلاغيّ يركّز على تلك العلاقة الذهنيّة بين الألفاظ ، تصدر هذه المفارقة عن وعي شديد للذّات بما حولها. لذا فإنّها حسب النّاقدة نبيلة إبراهيم، اتصال سرّي بين الكاتب والمتلقي(6) ..
في عتبة الإهداء يخصّ الكاتب القابضين على جمر الكلمات في زمن الغربة ..والحالمين بأن لا تذهب كلماتهم جفاء ، وكلّ قارئ ذكيّ ..هكذا يكون الإهداء مسبوغا بلون من الخصوصية التي لا ترقى إلى مستوى الفرادة بل تكون خصوصيّة مألوفة يسعى كلّ كاتب إلى استدعائها ..من هم القابضون على جمر الكلمات في زمن الغربة ؟ إنّهم بلا شكّ هؤلاء الذين ينحتهم الكاتب من عجينة نفسه وينسج هويّاتهم من نسغ روحه .. هم الحالمون بأن لا تذهب كلماتهم جفاء ؟ هم بلا ريب فئة من الذين يعانون حرقة الكتابة ولهيب السّير على جمر الشقاء ووجع المكابدة ..مكابدة الحلول الرّوحي في كون الكاتب وملكوته .. إذن من هو القارئ الذكيّ الذي يستحقّ أن يُمنح شرفَ القراءة و وجيعتها؟ هنا يمنح القاصّ حسن سالمي عهدة مجموعته لمن يستحقّ أن يقرأها ..
تمكّن حسن سالمي في (التيه) من استيفاء عناصر المكان الوراثيّ.. والاعتضاء بمعطياته في تجسيد الدّلالة السرديّة، وإلحاحها على مقوّمات الفضاء المكاني لمدّ الحركة السرديّة بآفاق تكوّنها وتجلّيها، وعبر شخصيّات مستلّة من الهامش الاعتباريّ للحياة، تستعاد في حركة السّرد تمكيناً فنّياً ورؤيويّاً لإنسانيّتها، واستجلاء لمكامن توتّرها الاجتماعيّ، في ترابط ونظام سرديّ مُتقَن يأنس لاشتراطات التلقّي، ومساحة استيعاب الذّائقة، لتجربة حقـّقت نجاحها الإبداعيّ ومعيارها الفنّي مستوفيةً شروط الرّؤية القصّيّة، بوصفها موازاة جماليّة تحقّق عبراللّغة والحدث والشخصيّات والحوار والمخيّلة الجماليّة، نسقاً يساهم في التّعبير عن تجلّيات الكتابة في توظيف سياقات الحوار والدّلالة الفنيّة لإثراء المشهد النصّي والتّنويع في مسارات الحدث وتنامي حضور الشخصيّة وكشف تداخلات علاقتها بالواقع وبُناه، في حركة ارتداديّة، تنبثق إشاراتها السرديّة الأولى في الطبيعة الشكليّة لحضور (البطل) وتوالي تشكيل ذلك الحضور في فصول حياة متوتّرة، تتقاطع فيها المفاجآت القدريّة..! وهذا ما يبدو جليّا في العتبة النصيّة الثانية (التيه من الصفحة 8 إلى الصفحة 10) حيث يعيش البطل معركة الحياة وتجاوزالموت والتشبّث بالوجود والنضال للبقاء بعد صراع دراميّ مع المكان (الصحراء) والوقت (الظهر)والظرف(الخوف والمتاهة والعطش ) يقول السّارد : " فلمّا بتّ منها قاب قوسين أوأدنى أنزل العطش على عينيّ غشاوة ، وأشعل في جوفي نارا ، وصبّ في عظامي وهنا ، وجلب عليّ بدوار أرعن لم أر مثله في حياتي.." أليس هذا صراعا مع الموت ..؟ (7).
وفي الحبكة التي استنطق القاصّ إمكاناتها، على نحو يؤصّل رؤيته السرديّة، وتمكّنه من خيوطها، محقـّقاً من خلالها منجزاً فنيّاً تجلّى في استظهار العناصر المُضمَرة في النّسيج الاجتماعيّ متعدّد النّماذج، والإفضاء بالمحدّدات العامّة للمنظومة الثقافيّة والاجتماعيّة للمكان في هذا النصّ، والصّحراء عند حسن سالمي "جحيم الحريّة". لا سبيل إلى النّجاة من قسوتها وأخطارها إلاّ بالموت الذي يتربّص بالإنسان والحيوان. إنّه حسب وصف سعيد الغانمي "مجتمع الضرورة"(8)، الذي يعيش على حافّة الحياة، ويكرّر وجود نفسه المقاوم للموت، فلا بدّ من استثمار أيّ شيء متاح للدّفاع عن الحياة: إنّ صراع الحدود القصوى هو علامة الوجود الوحيدة في الصّحراء.. يقول السّارد في قصّة ( التيه ) : تشابهت عليّ الأرض والسّماء ، وتراءت لي الصّحراء متاهة تنبت في أصل الجحيم ..ضربت في الأرض ولم أحمل معي الماء .. استوت الشّمس في قوس السّماء ، وحينها خرجت عليّ ريح سموم من كلّ مكان ..الأرض تحتي جمر ملتهب ، والآفاق من حولي خالية من أشباح الإنس والجنّ ..( 9).
تنهض المجموعة القصصيّة ( التّيه ) على تقنية أساسيّة من تقنيّات القصّة والقصّة القصيرة جدّا، ويتعلّق الأمر بتقنيّة الحذف الذي شغله المؤلّف في كلّ نصوصه. فالحذف هنا دالّ، يساهم في تحقيق التّكثيف الجماليّ، ويخلّص النصّ من التفاصيل والجزئيّات، التي لم تعدّ مقبولة في ظلّ عصر ينبذ الحشو والبطء، ويبدو المؤلّف واعيا بهذا التّغيير الذي لحق نظريـّة الأجناس الأدبيّة، ويبدو هذا جليّا في عديد الأقصوصات.. نأخذ على سبيل الاستشهاد أقصوصة "الدّجّال" .. هذه الأقصوصة تشظّت لتـُكوِّن لوحاتٍ من التّصوير الانسانيّ الكاشف لظواهر مجتمعيّة مُغرقة في "الجهل الواعي" أي ذلك الذي يصدر عن فئة مثقّفة تنقاد إلى مساراتِ الجهل أو التجاهل أو العتمة الإدراكيّة كما يسمّيها فرويد .. من جهة أخرى يفتح هذا الحذف الذي جسّدته نقط الحذف الكثيرة النصّ على التأويل اللاّمتناهي كما دعا إلى ذلك التفكيكيـّون الذين قوَّضوا مركزيّة المعنى الواحد. فالنصّ تتخلّله بياضات بالجملة، وما على القارئ سوى ملئها، ما دام النصّ آلةً كسولةً سرعان ما تتوسّل بالقارئ ليقوم بجزء من مهامّها على حدّ تعبير السيميائي الإيطالي، أمبرتو إيكو (10). وهذا نجده في بعض النضائد المبثوثة في المجموعة مثل نضيدة " نذير" حين قال الكاتب : " هو حنش طوله ذراعان.. رقيق كقلم رصاص.. رأيته يطير في الهواء متّجها نحوي.. فما هي حتّى انغرز برأسه في زندي كإبرة مدرّبة.. ومضى يشقّ طريقه بين لحمي وجلدي.. حاولت الإمساك به لكنّه تفّلت من بين أصابعي كسمكة في الماء.. وواصل رحلته في جسدي يريد أن يتّخذ منه سكنا...
لمّا أصبح الصّباح قلت في نفسي: مرض عضال يوشك أن يحلّ بي !(11 ) .
غير أنّ تأويل هذا النصّ الذي يحتشد فيه الهامشيّ بأسلوب مكثّف، ليس سهلا، بل هو أمر يحتاج إلى قارئ رصين محصّن بمعرفة فلسفيّة أوإلى ذخيرة-بمفهوم منّظري نظرية التلقّي-تمكّنه من مزاولة فعل القراءة بالطريقة الأمثل.
...يتبع ...
الكاتب: هيئة التحرير بتاريخ: الأحد 30-08-2020 11:01 مساء الزوار: 230 التعليقات: 0
|
|