|
|
||
|
قراءة نقدية للناقد د. مدحت عبدالجواد لقصة الديبة هدى حجاجي بعنوان ( البرق يصعق الأشباح )
مدحت عبد الجواد
القصة التي كتبت خلودا أدبيا لصاحبتها ، رائعة الأديبة الكاتبة هدى حجاجي
بعنوان ( البرق يصعق الأشباح )
العنوان لامع كاسمه ( البرق ) مغلف بالرمزية العميقة في إشارة رائعة للموقف المفاجيء اللامع الذي أضاء العقل لحظة لقاء الخطيب الأول ، وكأنها لحظة هبطت كالصاعقة من السماء ؛ لتصعق أشباح الوهم الذي خدع به البطل نفسه، وأراد أن يخدع به صاحبته ..ويأخذك العنوان مشدوها بدافع نفسي عميق من فضول المعرفة ؛ لتجد نفسك تغوص في بحار الأديبة .
تزاوج رائع في سردية النص جمع بين التبئير الخارجي والداخلي، فتارة يصبح السرد من الأديبة وأخرى على لسان خطيبها، وتارة تنتقل لتستنبط مشاعره، وحينا تميل تجاه المحبوبة متعاطفة معها ، في مزيج وانتقال ثم عودة وكأنك تتراقص على أمواج السردية دون خوف من الغرق مستمتعا بسلاسة الحوار الرائع ، لاتمل من تتبع خطواته .
البعد الأنثوي لايخفى على أحد وكأن الأديبة الألمعية تتبني قصتها الشخصية حيث تسيطر عليها مشاعر الأنوثة، فتقدم لها تبريرا بطريقة عفوية رائعة تنبع من تلقائية حياتها وطبيعة ثقافتها وبيئتها الطبيعية وهذا سر جمالها حيث نأت عن الحجاجية الممللة .
البعد الاجتماعي الرائع ، والتوتر الذي صنعته الأديبة بين طبقات المجتمع ، حيث اصطدام الفكر الشرقي والفكر المنفتح على الغرب ، وإشارات رائعة تبين أنها مالت لجانب أفكار الفتاة وكأنها تصرخ دفاعا عن بني جنسها ؛ لتصارع العقلية الشرقية .
توتر من نوع آخر وتصارع نفسي لدى شخصية الخاطب تمثل في الصراع بين عادات البيئة القادم منها ، وعادات البيئة النازح إليها ، حتى كلماته التي يتمتم بها تنم عن طوفان جارف وبركان هائل لترجح لديه جانب الموروثات القديمة .
أخذ الصراع بين الشخصيات بعدا طبقيا وليس طابعا ثنائيا فقط بل صار صراعا بين ثقافات وأفكار .
عالجت الأديبة قضايا اجتماعية ملتهبة داخل المجتمع الشرقي ، بتلقائية سردية في ثوب اليسير العميق فانتقلت من قضية الاختلاط إلى قضية البعد المادي وأثره على المجتمع إلى قضية حرية الفتاة والفتى إلى قضية العبث والخيانة إلى قضية الخطوبة الأولى ونظرة المجتمع الشرقي لها إلى قضية عمل المرأة، كما طرحت أفكارا فلسفية يعاني منها المجتمع الشرقي ، وطرحت هذه القضايا على طاولة النقاش من جديد؛ لتقدم أغوارا وأبعادا من الصراع الغير محدود ، وتكشف طبيعة الرجل الشرقي أمام نفسه ، وهى ليست أمام تصنيفا دينيا بل قضايا اجتماعية تنسحب على حياة آلاف الشباب في مجتمعنا .
عنصر المفاجأة ...تكنيك فني قامت الأديبة بتوظيفه ؛ لتتجاوز به حدوده الطبيعية ، فأصبح لها عمقها الغير معهود فتأخذنا الأديبة من بداية حالمة رومانسية إلى مفاجأة اللقاء بالخاطب الأول ، وهى لحظة الصاعقة على عقل وقلب الخاطب الآني ، ثم تفجأنا بين خطين رائعين وإني لأتعجب حقا .
كيف استطاعت الأديبة بإبداعها تكوين شخصية المحبوبة ؟! والتي أبهرتنا برومانسية حالمة وسعادة دائمة وفي ذات الوقت عقلية واقعية تسيطر على قلبها ، فهى تقدر قيمة الحياة الاقتصادية والمادية في نجاح الزواج ، ولم تسمح لقلبها أن ينجرف لتضيع في ظروف الخطيب الأول ، رغم ما بدا واضحا عليها من ميلها له حيث كلمات الحوار والسرد عنه تطول قليلا دون تنبه بأن حوارها لخطيب آخر حتى أنها لم تتردد في الثناء عليه في عفوية تنبيء باحترام بل وميل شديد ، إن ما يدهشك ويبهرك أنها شرقية الفكر من نوع آخر فهى تحاول أن تقنع خاطبها الجديد بأن الحب في المجتمع الشرقي يأتي بعد الزواج ، وهى تعرف حقوق الجار وتقدم له العزاء....مزيج عجيب صنعته الأديبة الألمعية .
يتوازى هذا الخط الرومانسي مع الخط الشرقي القديم في محاولة للتقابل تكشفها لحظة صاعقة البرق المتمثلة في لقاء الخاطب الأول .
الصراع جاء تلقائيا غير مفتعل استمد حيويته من تلقائية الحوار ، وسلاسته متدرجا ومتناغما مع لحظات اللقاء .
التكشف والتنوير والإشارات التي تعطي عمقا جديدا للقصة ، والتي سلكت مسلكا متدرجا ، وخطا عميقا يحكم بنيان السرد منذ البداية حتى النهاية ، فأصبحت مشاهد الزحام متعة في نظر العاشقين ، وأضواء الكازينو تتعامد مع تكشفات السرد ونظافة المكان تصنع مفارقة مع صاعقة أخرى بمرور السيارة التي أوحلت كل شيء في إشارة للوحل الذي أصاب العلاقة ونجسها ، ثم رمزية الفراق وسرعة القرار التي تكشف عن حب من نوع آخر ، افتقر إلى القوة ونبت في ظروف القسوة المادية فلم يدافع عن نفسه ولم يصمد بل توحي بساطة الانفصال بأنه لم يكن في أصله سوى اتفاق شراكة أو كما ذكرت الأديبة في قصتها ( مشروع ) ، وقد فشل.
لم يستطع الخاطب الذي أصبح مشدوها بل وانبهر بجمال حبيبته كالقروي الذي بهرته أضواء المدينة ، أن ينسجم مع نفسه ، ولم تقدم المحبوبة أي تنازلات تجاه حبيبها ولم تقدر غيرة الرجل الشرقي .
وتبقى القضية مطروحة أبدية مهما تعددت العصور ، فهنيئا للأديبة الرائعة التي خلدت ذكرها على مر التاريخ ، ولن يستطيع التاريخ الأدبي أن يتجاوز قصتها عند طرحه لمعالجة القضايا التي ذكرتها ، وستثبت الأيام صحة قولي فأرجو أن تتذكروني بالخير عند ذلك .
.........................................
البرق يصعق الأشباح
كان في غاية السعادة وهو يمشي بجوار خطيبته الحسناء ، تتعانق أصابعهما ، وتطل عليهما مدينة الضوء والصخب !
الحافلات والسيارات والدراجات والمشاة ..من يركض ومن يتسكع أمام لافتات النيون ؛ ليناظر المعروضات الجذابة التي تشغل واجهات المحلات والشركات.
فجأة ..توقفت حركتهما وتجمدت خطيبته ..سكنت في موقعها ، شعر وهو ممسك يدها أن نبضها قد توقف لا بل تسارع ..حتى ملامح وجهها تغيرت ..حيث وقف أمامهما شاب أنيق ..وسيم الطلعة ...مادا يده ؛ ليصافحها بلهفة تكاد تشبه لهفة الغريب عند اللقاء ..
التفتت إليه بعفوية ؛ لتعرفه بالشاب الوسيم .
إنه خطيبي السابق ، وكأن صاعقة هبطت عليه من السماء مع كلماتها ...صمت مشدوها لبرهة ثم استفاق واستجمع قواه متصنعا ابتسامة كادت تكشف خبايا نفسه ...رد قائلا : فرصة سعيدة ...وكأنما صاحت في أعماقه قبيلة من الغجر ( تمتم بكلمات ضاعت حروفها بين أصوات السيارات وصخب الزحام فلم تسمع ...فرصة زفت وقطران ! بنت الكلب لاتكف عن اللعب بالنار ! )..
نظر إليهما الشاب الوسيم ، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة تحمل آلاف المعاني لاتستطيع أن تميزها أهى لهفة أو عتاب للمحبوبة أو حنقا وغضبا على الخاطب الجديد...أخيرا نطق : حقيقي ...فرصة سعيدة ثم خص الفتاة بالكلام : بلغي تحياتي وسلاماتي للأسرة ....مع السلامة ! ومضى إلى حال سبيله ..
اشتعلت النيران في جوف خطيبها ...تحركت الأقدام وصمتت الألسن عن الكلام .... بدأ يحدث نفسه : كان يمكن أن تلطف المسألة بأن تقول : إنه زميل دراسة ، أو زميل عمل أو حتى زميل جامعة أو أي شيء آخر...أما أن تقول : خطيبها القديم ...فهذه وقاحة وصراحة لا تطاق ..وغمغم صراحة ...صراحة ...بل وقاحة وقلة أدب ... النيران تتأجج في أعماقه ...لكنه سرعان ما أخذ يناقش الأمر بينه وبين نفسه ، ويعيد على ذاكرته الموقف .
ماذا عن ذلك ؟ ! هل كان يجب أن تتجاهله رغم وقوفه المفاجيء أمامها ؟! ماذا حدث حتى يغضب ؟!
هو من أنصار الخطوبة ..نعم الخطوبة فترة لإثبات النجاح أو الفشل في مشروع الزواج ...ماذا يطالبها ..بالكذب ؟! هل يرتاح للتمثيل في الحياة ؟! بدأ يتذكر كلامه لها ( الحقيقة لها طعم آخر ..ولايهم مرارتها أو حلاوتها ) آه ...إنها كلمات سمعها ورددها ولم يؤمن بها لحظة ...واجه نفسك يا رجل !
تنهد ...يبدو أنه تألم من الصراحة ..إنه شرقي لايطيق العلاقات المكشوفة ..لم يتعود على المساحات العارية ...يجتر كلامه معها ..لقد سكب في عقلها أنه رجل عصري ..وأنه يؤمن بأن الماضي ملك للفتاة قبل الفتى ...وتبدأ المسؤولية بعد الزواج ...العبث بعد الزواج هو الخطأ البشع ... وهو صميم الخيانة لميثاق الأسرة ، وهدم لقيمة الثقة والمحبة المتبادلة بين الزوجين ...هذه كانت شعاراته لكنه صدم بها على أرض الحقيقة ..
عاد يحدث نفسه ...ها أنا ذا أرتعد في أول فرصة ..وأفشل في أول اختبار.... مجرد مقابلة مع خطيبها السابق أحدثت زلزالا ....لماذا ؟! لماذا ؟! ..
كنت أعرف أنها كانت مخطوبة وفسخت خطبتها ...
ولكني لم أسأل لماذا ؟!
بدأ يستشعر مرارة في حلقه ...شوكة تمتد في رقبته ...يتمتم ...خطيب سابق معناه إنسان بشحم ولحم وأطراف ...آه أطراف ...وقد لاحظ أنه يمسك يدها .
وهل كان يظنه شبحا ؟! ماهذا الشلال من الحنق ؟!
ثم إن اللقاء تم في حضوري وعلى مسافة نصف متر مني .. في شارع عام ..فلماذا هذا البركان والذي يعصف بأعماقه؟!
لماذا لا يصارح نفسه المظلمة ؟! ...ويقول لها إن هذا الحادث كان كالبرق الذي صعقه وكشفه على حقيقته ...وأثبت أنه شرقي حتى النخاع ، وأن في صميم أعماقه تقبع أشباح الشرقي تصرخ وتحتج ...ألف شبح معترض على الإدعاءات العصرية ...تسيطر عليه وتتحكم بأفعاله ، أصوات تعصف برأسه ( في حاجة غلط ) .
كل هذا ومازال الصمت يغلفهما في خطوات وئيدة نحو الكازينو الذي اعتادا الجلوس فيه ، نظر إليها ..كانت صامته لعلها كانت مستمتعة بالسير بجوار خطيبها ، أو لعلها تستعيد ذكريات الخطيب السابق منتشية بفرحة اللقاء ، وربما شعرت بالزهو كبعض بنات جنسها لتثبت أنها الحسناء التي يتصارع في جمالها العشاق ..وجدها - تلعق ( الآيس كريم ) في بساطة الأطفال ، قال لها فجأة كأنما يريد أن يعكر صفوها ، وينسف هدوء روحها : كم ظلت خطبتكما؟ قالت بهدوء وبصوت حريري : عام واحد فقط - نظر إلى وجهها الأبيض الصغير المحاط بشعر أسود كالليل - أهو من العائلة؟ لا..إنه جارنا ، قالتها كأنها تغني !
تفرس في عينيها السوداوين ..- ها ..ولاشك أن معرفتك به كانت قبل خطبتكما ؟ !
نعم ...جارنا أنت تعرف ملاعب الصبا ..هو ابن ناس نودهم ، ونعرفهم جيدا ... وهو مكافح من عائلة متوسطة الحال ...
كانت الردود كالمسامير .....لكنه أراد أن يقتحم صرح البساطة ..
لماذا انفصلتما ؟ ... عفوا للسؤال -بأصابعها النحيلة المزركشة بالمانيكير رفعت خصلة تهدلت على الجبين ..ونظرت إليه ..تنبهت لمحاولة الغزو والكدر-أهو تحقيق ؟! أنسيت أننا خرجنا للنزهة ؟! قال وهو يكظم الغيظ : إذا سمحت أريد أن أعرف ..
رحبت بالمضي في الحديث ... فقالت بلغة محايدة : كنا على وشك الزواج ، وحدث أن تعرضت أسرته لكارثة مالية بالإضافة إلى إصابة أمه بمرض خبيث استنزف كل ما لديه من نقود ، واستدان من هنا وهناك ، وارتبك ماليا ..توقفت عن الاستمرار لتذكره ...على فكرة - أمه توفيت منذ أسبوع واحد ، وذهبت مع أسرتي إليهم ؛ لتقديم واجب العزاء ..
لم يهتم ...واستمر ..إذا سبب الانفصال ظروف مادية ... مجرد ظروف مادية ..نظرت في عينيه مندهشة تجابهه ..
وهل تقلل من قيمة الظروف المادية ؟!
إنها تعني الطعام والسكن والأثاث والثياب وآلاف التفاصيل التي لاتنتهي ! هكذا الأمر !
عاد يتمتم :مالها تتحدث كآدم سميث ؟!
ردت ببرود واستمرت كأنها جراح ماهر ...هكذا الأمر بلا زيادة أو نقصان ! النيران تلعق أعماقه ...المنطق يضربه بقبضة حديدية ...الصراحة الشرسة الجهنمية ! الهواء ينكمش في صدره تعتصره القبضة الحديدية من أحشائه ، قال كمن يستعذب العذاب : هل كنت تحبينه؟ - نظرت إليه في تأمل ودهشة ..ما الداعي لهذا السؤال ؟ !
من فضلك أجيبي بمنتهى الصراحة ... لاأكرهه بالطبع ..بل أحترمه جدا ..فهو مناضل ، ومثقف ..شريف ..
هذا لا يفيد الإجابة عن سؤالي ..هل كنت تحبينه ؟
أدركت مراده ...لم تتنازل ..ولم ترضه في إجابتها ، قالت بصوت اختصاصية اجتماعية : اسمعني جيدا ...
المرأة الشرقية تحب الرجل بعد الزواج ...أما قبل الزواج فلا ..إنها عواطف بالية في مهب الريح حب رسمي أو صفه كما تشاء ..لا يهم الأسماء ..
بدأ يشعر بالغثيان ..لايدري من أين تهب الروائح الكريهة ؟! ...
وصلا إلى الكازينو المزدان بالزهور والأشجار والمقاعد النظيفة والطاولات المنمقة ...سيل من الأضواء ينهمر عليهما ...مال عليها هامسا بسؤال لايناسب المكان أو الزمان ، قائلا : إذا تحسنت الأحوال وتضاعف دخلي ..وطلبت منك ترك وظيفتك ؛ لتصبحي ربة بيت فقط فهل تقبلين ؟ ..
رجعت إلى الوراء ...وتفرست في وجهه ، وقالت وهى تضغط على الحروف : لا أقبل بالطبع !
رد ..مسرعا ..لماذا وهذا ما تطمح إليه أي امرأة ؟!
شعرت بقشعريرة في جسدها ...لاتطمح أي امرأة لهذا ..وعن نفسي فالعمل يصقل شخصيتي ...ويؤكد استقلاليتي ...وأظننا تكلمنا في هذا الموضوع من قبل ! والعمل كما قلت لك مرارا وتكرارا ...ليس النقود ...إنما تحقيق الذات ...وعطاء للناس أمسك بكفها وقال لها : كنت أحسب الناس تعمل لأجل النقود ، وأظن أن تربية الأطفال عمل للمرأة .
ردت ..هذا جزء من الرسالة وتبقى رسالتها تجاه المجتمع ..والبعد الاقتصادي لايمكن تجاهله ..ابحث الموضوع من وجهة نظري أنا ...العمل هواء أتنفسه ، قضايا أعيشها ، أفكار ، مشاركات، معارك ، ونضال ( سحبت يدها ) قال لها وقد شعر بأنه يحمل السلم بالعرض : نعود
خرجا من الكازينو ...سارا في الشارع الطويل الممتد كجدل ممل ...جاءت سيارة مسرعة فوق مساحة راكدة من الماء ...اندفع الماء كالصواعق فغطت الرصيف ومن عليه بالوحل والماء النجس ...
قال لها في قرف : لقد توحلنا ...وهذا جزاء حبك للمشي ، فردت في إصرار وهدوء : سنغير ملابسنا على أية حال ، قال وكأنه يخاطب أعماقه السخيفة : فعلا ...نحن في حاجة لتغيير كل شيء !
وعاد من طريق آخر كأنما ابتلعته أشباح الماضي أو صعقه البرق عند اللقاء .
الناقد دكتور مدحت عبدالجواد استاذ الادب والنقد بجامعة الرياض
الكاتب: هيئة التحرير بتاريخ: الأحد 30-08-2020 05:34 مساء الزوار: 321 التعليقات: 0
|
|