|
|
||
|
قراءة:الحرفيّة في التّأليف والتّوليف في القصّة القصيرة :قابَ قوسينِ أو أدنى من جهنَّم #مديح_صادق
قراءة: الحرفيّة في التّأليف والتّوليف في القصّة القصيرة :قابَ قوسينِ أو أدنى من جهنَّم ...للدّكتور مديح الصادق ============= ================= النص :
قد لا يكون هو المقصود بابتسامة عريضة كشفت عن صفَّين من اللؤلؤ ناصعين، وأفصحت عن مُحيَّا فتاة في العشرين اكتملت أنوثتها بصدر ناهد، وقامة ممشوقة، بخصر إسطواني كشفت عنه قليلا برفعها طرف القميص، وأنزلت البنطال الضيق حدَّ الوركين، ومالت جانبا بجلستها، بوضع مثير تقابله في المقعد الآخر في عربة مترو الأنفاق، يومين في الأسبوع عليه أن يمر برحلة من بيته للجامعة النائية أطراف تورونتو، خليط بشري منوع الألسن والأجناس والأشكال والأعمار، بمختلف الأزياء أو بدونها في بعض الأحايين، في كل محطة يستقبل جيلا بعد أن يغادره جيل؛ لكنها لم تغادر المقعد كأن همَّها أن تعد المحطات، وظل مبسمُها شاغلا صاحبنا الذي على مضض غالب الاتزان، بسذاجة تظاهر أنه لم يلق لها أي اهتمام، بأطراف أنامله عدَّل ربطة العنق ودبوسها الذهبي، حدّق في زجاج النافذة المقابل مستطلعا تناسق ألوان بدلته والقميص والرباط، على تسريحة شعره مرَّر مشابك الكفين، لم يَغزُهُ صلع بعد، ولمَّا يزل غالبا على بياضه السواد رغم وداعه الخمسين مما ورطه في مراهنات الأصدقاء على أنه يصبغ الشعر؛ وبعدها يكسب الرهان عندما يُصار إلى زوجته الاحتكام.
على استحياء، بطرف عينه اليمنى، نظرة على عجل، مزيج من الخجل والخوف من ألا يكون هو المقصود، فتفسد عنده نشوة رجولية مثل زرع فارقه الغيث، وقاربت تذروه الرياح، حتى لاحت تباشير مِزنة من بعيد، فعاودته الحياة، أو نهر جفت منابعه فانتابه اليأس، استطلع هيئتها من جديد, البسمة لم تفارق ثغرها, اتقد البريق بعينين واسعتين, سواداوين, رموش طويلة، تقاسيم وجهها السومرية اهتزت طربا، ارتفعت قليلا مقدمة أنفها الأخنس فزادها على ما هي عليه من عذوبة وجمال، كم هو غريب جنسكنَّ- أيَّتها النساء- حين تبتسمنَ! فإما هي رقصة انتصار على الأشلاء، أو هو خلق جديد لكون جديد جميل. أيقن الآن أنها له، لا منافس في الساحة على الإطلاق، فمَن حوله كهول يمارسون لعبة التجوال يومياً عبر محطات الأنفاق، وطلاب من كلا الجنسين أخلدوا للنوم فهم متعبون من يوم دراسي طويل، ليسوا بحاجة للحبّ وقد أُتخموا منه كما الطعام والشراب، في أي زمان أو مكان شاؤوه، دون خشية من رقيب، أو صولجان عقاب.
حقيبة حمَّلتها كتباً، كراريس، مطبوعات، مستلزمات لهو، علب طعام، عدة المكياج والعطور، عن كاهلها ألقت بها على المقعد المجاور، بللت شفتيها الحادَّتين برشفة ماء، رفعت سروالها قليلا للأعلى كي تكشف- عن عمد- عن ساقين مكتنزين أخفا بياضهما شتاء قد مرَّ قارس البرد، ثقيل الثلج، فتحت الإزرار الثاني من القميص كاشفة نصف الصدر، أدارت عجيزتها للخلف نصف استدارة وهي تنظر بنصف عينها لقامتها الرشيقة خلال الزجاج، بدلال امرأة شرقية هزَّت رأسها إلى الجانبين بغية انسدال شعرها الفاحم الطويل على الكتفين. ياللهول، كم غريب هو هذا الكون! أليست تلك (أميرة) الطالبة العربية الأصل؟ قبل ساعات في الحرم الجامعي كانت في أقصى درجات الاحتشام، في المظهر واللباس والكلام، صوتها الرخيم المُستحي بعاطفة وانسياب تقرأ قصائد (السياب) حتى أبكت الحضور في غربة الخليج، لابد إذاً أن هناك مَن يعد عليها الخطى هناك، وحينما يشعر المرء بانعتاقه من قيود الرقباء فإنه قد يفعل ما يظن أنه هو الصواب، أهي على موعد مع (البوي فريند) كما يسمونه في تلك البلاد؟ أم أنها تكسب رزقها من مهنة ليست في مصاف العيوب على النساء في بلد تحكمه النساء؟
لا تطلق العنان للظنون- يا حضرة الأستاذ الشاعر الفنان- فمثلك أولى أن يكون منفتحا مستقبلا لحاجات الجديد من الأجيال، ألم تكتب يوما أن غدا أحسن من أمس؟ أم أن تقدم السن، وكثرة الأهوال أنساك ما تشرَّبَه منك الذين على يديك تتلمذوا من فكر علمي؟ (أميرة) ليست من هذا الصنف أو ذاك، والدليل القاطع اهتمامها الفريد بك، لاحَقَتك اليوم طول الطريق، أمَامَك استعرضت كل ما بوسعها من مغريات النساء، النساء المحنَّكات في صيد الرجال، غير طامعة منك في مال أو جاه، ليست مبالية لفارق السن الكبير، مع علمها المسبق أن لك زوجة وعيالا، فقد تكون نزوة عابرة أو وَهماً بأن الحب الصادق يمكن أن يقفز فوق فوارق السن ولا يبالي بارتباط الآخر بزوج، وقد تكون حاجة لسد نقص عاطفي؛ فاستهواها حضن رجل متَّزن يعوضها حنان أب أو أخ أو صديق، أو زوج جفَّت عنده منابع الحب والوفاء، أيَّ حب كان؛ فهو بالنتيجة حب، وهل هناك في الكون زاد يعين المرء على البقاء حيّاً كما شعوره بأنه محاط بالحب؟
خطوتين باتجاهه تقدمت، ثالثة، تمايَلت بدلال، ابتسامتها أوسع من ذي قبل، كاد قلبه يقفز من جنبيه، تورَّدت وجنتاه، ساقاه بعضهما البعض تضربان، ارتعشت شفتاه، نعم إنه هو الحب، هكذا يفعل العشّاق عندما تشتعل شرارة الحب، اللحظة هذي جيدا يعرفها، فيها له شعر جميل كان من وحي الخيال؛ لكنه اليوم غارق لا محالة في عباب هذا البحر. أغمض الجفنين خلف نظارة سوداء، قادمة هي إليه، ستأخذه بالأحضان كما يفعل هنا الناس، في المُغطّى والمكشوف من المساحات، بعد الحَضْن على خدّه ستطبع قبلة أول الأمر، ثم يلتهم الحريق الشفتين وكل المشتملات، ولتفعل ما تشاء، ممَّ خائف أنت؟ أمِن قوم يُقبِّل بعضهم البعض في الشارع، في المقهى، في الباص، في البار، وحيث يقضون الحاجات، وبعد ذلك يعملون بجدٍّ، ويُبدعون؟ أم أن خيال زوجتك التي خاصمت فراشك مذ عامين بادعاء اعتلال الصحة أو كبر السن مازال مطاردا إيَّاك حيثما فررت، مُنغصاً عليك أهنأ اللحظات، لا، لا؛ ليس الأمر كذاك، فأنت لم تتخلص بعدُ من عقدة الخوف من حديث منفرد مع النساء.
لا تخَفْ من أحد في هذه البلاد، حتى من نفسك لا تخف، كثير منا يفعل في الخفاء ما ينهى عنه على منابر الخطباء، أما إن شاء أن يكون عسيرا معك الحساب مَن بيده القضاء فلا تتوجس، لقد أفتى كل أنبيائه بأنه غفور رحيم، هلمي- أيتها الفاتنة- هلمي، بعطرك، بكل مالديك من سحر، هلمي فالساعة قد دنت ولا مكان بقلبي مطلقا للخوف، تحت أقدامك أحرق أعوامي الخمسين، أقلع ما غزا مفرقي من أبيض الشعر، وكلكامش هذا ليذهب للجحيم فقد عثرت اليوم على السر الذي أفنى عمره- دون جدوى- في البحث عنه، الليلة أكتب ملحمة للأجيال بأن الحبّ بعد الخمسين هُو بعينه سرّ الخلود.
عن قرب لامسته، ساقا على ساق، تحول الظن إلى يقين، ليس ككل مرة من شاعرٍ خيال، أو من محموم هذيان، أيعقل أنها ساعة موت أم ولادة حين تفقد اتصالك بالأشياء، وتعتريك ارتعاشة الخريف، أم أن كارثة على الطريق؟ فما من كارثة إلا وكان الأساس فيها لحظة الضعف، فتبّاً للضعف. على نهج المُتحضِّرين للأمام مدَّ الشفتين مستقبلا أنفس القبلات، أنفاسه تكاد تشعل النار في العربات، ثقيلة مرت الثواني وهو لها على أحر من جمر بالانتظار، فتحَ الذراعين مستقبلا حضنها الدافئ ليضغط على ظهرها الضغط المتحضر الخفيف، منها يستمد القوة والعزم كما استمد العظماء ذلك من خيِّرات النساء، وهل في العالم سر عجيب مثل قوة حب تمنحه امرأة مَن تحب وتهوى بسخاء؟ توقف القطار، أعلن المذياع نهاية المحطات، احتكت الأجساد بالأجساد، والحديد بالحديد، حقيبة أوراقه تدحرجت بين فخذيه، نظارته السوداء على الأرض، على وسعهما فتح المقلتين، ألا لعنة الله على القطارات فهي تفسد الأحلام.
============ ================ القراءة
المقدمة :
قصّة تفشي مدى انحطاط الأخلاق في مجتمعاتنا، التي تشكو من سكيزفرينيا، على كلّ المستويات، طالت كلّ الشّرائح والأجناس والطّبقات، وأعطت الحقّ بإسم الحرمان، والبحث عن التّعويض، إلى ممارسة الرّذيلة التي اتّفق على أنّها رذيلة في كلّ المجتمعات، وكلّ الشّرائع والأديان، ومع ذلك ما زالت تنتهك، الحرمات، ويتجرّأ البعض على ارتكاب المحرّمات، في أمكنة عامّة، من دون حياء كالكلاب والقطط، ولم يرتقوا بعد إلى مرتبة حتى الجِمال، ذاك الحيوان الذي لازم العرب، والمفروض أنّهم درسوا طباعه، وكلّ خصاله، وكان جدير بهم أن يأخذوا عنه مفهوم العفّة، والحياء، والحشمة، كما تعلّم ابن آدم كيف يواري سوأة أخيه من الغراب. وكيف تحاكم عشيرة الغربان كلّ غراب معتد على أنثى غيره، برجمه حتى القتل، علما أنّه طيلة وقت المحاكمة والتّنفيذ يظهر مطأطأ الرّأس، وكأنّه بعدم مقاومته، يقرّ بذنبه. كما تلتزم بعض الطّيور، بمعاشرة أنثى واحدة فقط طيلة حياتها، في حين أنّ بني البشر لا يزالون يدّعون الشّرف و الفحولة. ويواصل بعضهم الاعتداء على حرمة غيره... لا بل يفتخر... والحال أنّ الشّرقي يولي اهتماما كبيرا لمسألة الشّرف، ويعطيه قيمة (عظيمة)، فأودعه قرارا مكينا واستأمنه لدى مخلوقة بالغ الكثيرون في حرمانها من حرّيتها، بتشديد الحراسة عليها بدعوى المحافظة، إلى درجة قد تصل إلى القمع وتسليط أشدّ العقوبة عليها ، كلّ ذلك بدعوى الحرص عليها لتصون متاعا لهم، أسموه شرفا، والحال أنّها في صورتها هذه مخلوق لا حول لها ولا قوّة، مفعول بها لا فاعلة مصيرها وقدرها في يدي سجّانها، مسلوبة الإرادة، تقترب من الشّيء والتّشييء، لدى البعض، في بعض الأوساط، والمجتمعات التي ما زالت لديها رواسب الجاهليّة، من دون أن ينتبهوا أنّ القمع يولّد الانفجار، الذي تبرّره وتفسّره بعض الدّراسات الطّبيّة و النّفسيّة وبعض الفلسفات كنظريّة فرويد، وكأنّها تشريع جديد وشمّاعة، تشفع لمن ضعفت نفسه، وأراد أن يتّبع هواه ليجد تعلّة يستجدي بها استعطاف العامّة لمؤازرته... ولكن فاته أن يضع نفسه مكان غريمه، الضّحيّة الموهوم هو الآخر بالشّرف (البطل)، ماذا سيشعر لو قام أحد بنفس فعلته... ولكن نرجسيّته، وبحثه عن نشوة، ومتعة رخيصة، ممنوعة عرفا، وأخلاقا، وتشريعا، تُعميهِ إلى غاية الغياب وقد يخال نفسه في تلك اللّحظة العبثيّة، أنّه مركز الكون بدايته ونهايته، وكأنّه الشّمشون الجبّار في زمانه، وأنّه الفحل الأوحد، الذي ليس كمثله أحد، القادر المقتدر على حفظ غرسه من كلّ عابث مثله... وأنّ نساءه لن يخنّه، لأنّه ببساطة شدّد عليهنّ الحراسة والخناق، وأحكم حبله حول أعناقهنّ.. ولكنّه، نسي أنّ يمدّهن بالثّقة في أنفسهنّ، وأن يعلمهن فنّ النّقاش وحقّ الإختيار، والتّحليل وكيفيّة الوصول إلى الحلول بمفردهنّ، من دون وساطة ولا وسيط وأنهنّ قادرات على أن يتحدّين العالم بفكرهنّ وأن يعلمن علم اليقين، بأنّ جمال المادّة بائدة، وأنّ الخلود والشّباب في الأعمال التي تنفع البشر، وأنّ يدركن بوعيهنّ، أنّ الخالق، شرّفهن بالحمل، والولادة، لاستمرار الوجود، داخل الصّيرورة، باعتبار أنّ الوجود والاستمرار يقتضيان فعل التّزاوج، فقد توّجت العلاقة بعقدٍ لتنظيم العلاقات وضبط الحقوق، والواجبات حتى تحفظ الحقوق وتصان الذّوات، ولا يدوس القويّ الضّعيف، كما هو الشّأن في كلّ شراكة، وعليه فمن المفروض أنّهنّ شريكات في المطالبة بشرفهنّ، فشرفها يضمنه لها شريكها أيضا بعدم النّظر لغيرها، منذ قيام مشروع الشّراكة بينها وبين شريكها، إذ هي أيضا من المفروض أن تطالبه بصيانة مستأمن شرفها، لتتساوى المعادلة ولكنّ الشّهريار نسي العدالة، بمفهومها الكبير والشّامل.. وأنّ القصاص والاقتصاص قد يقع في الدّنيا قبل الآخرة.. وأنّ أفعالنا سنحاسب عليها في الهنا والهناك، وأنّ كلّ معتد سينال جزاءه بنفس الشّكل، بمعنى أنّ كلّ من اعتدى على حُرمة غيره، سيأتيه يوم يُعتدى فيه على حرماته.. وأنّه كما يدين سيدان مهما طال الزّمان... وأنّ الشّرف مفهوم يقظ بطبيعته، يُفترض صيانته من كلّ مُسكِر، حتى لا ينقلب الشّرف عقدة معقّدة، لإثبات فحولة موهومة لعاجز... فَرَّدَ الشّرف، وجعله أسطورة إلاه، لا يقبل شريكا كالعفّة والتّعفّف والسّرقة واقتراف الموبيقات بكلّ أنواعها، والاعتداء على الغير، وعلى ممتلكاته، وخيانة الأرض والعرض والوطن والنّميمة و ممارسة البغاء... هههه!.. يمارسون البغاء ويتحدّثون عن الشّرف بالله عليكم هل هناك وقاحة أكثر من هذه؟!... الأخ يخرج مع صديقته ويمنع أخته من أن تلتقي بصديقها، ويخون الزّوج زوجته، باقتراف فعل الزّنى مع غيرها، وربّما يخون صديقه وحتى محارمه، ويرفض بشدّة أن يصنع به مثل ما اقترف... الشّرف، فنّ واحترام كلّ شخص لنفسه أوّلا، بعدم فعل كلّ عمل لا يقبله الفرد أن يمارس عليه، ويرى فيه مجلبة للعار له ولغيره، مفهوم العار، سرّ تخلّفنا، احتمى به العرب وبوّؤوه مكانة الفريد المتفرّد، الذي لا يقبل شريكا، معه فاسقطوا عنه الشّرف والكذب، والخيانة وخيانة الأمانات، والسّرقات، واقتراف كلّ الموبقات والأغرب، فقد بالغ بعضهم في إعطائه مكانة سوّته بالحياة والموت، ففاقِده حسب رأيهم، لا مكانة له في الدّنيا، ولا يستحقّ الحياة بين البشر. وقد يصل بأهل وعشيرة من فقدته، أن تُوؤد إمّا رجما، حتى القتل، أخذا بالثّأر منها لإطفاء النّار، والشعور بالقهر الذي سببته لهم، لدرءِ العار، أو بسلبها كلّ حقوقها وطردها في الشّارع، لتمارس البغاء على أصوله، وبذلك بهيأ لهم أنّهم بتبرئهم منها قد استرجعوا شرفهم الضائع، وقد يلجأ البعض إلى الانتحار أو الموت وقد يسقط أحد أفراد الأسرة مغشيّا عليه بفعل الصّدمة من فرط عدم تقبّله للواقع هاربا إلى عالم الأموات، لينعم بصمتهم وينفذ من أصابع الاتهام، والتّأنيب وملاحقة أصوات الآخرين، له بالسّباب وحتى باللّعنة والبصاق ...
سلوكات تشي بمدى ما عبّر عنه الدّكتور مصطفى حجازي ب"التّخلّف الاجتماعي" في كتابه الذي يحمل عنوان " التخلّف الاجتماعي مدخل إلى سايكولوجيّة الإنسان المقهور"، لمجتمعات قبليّة ما زالت تخضع لمفهوم القبيلة والعروشيّة، نسيت الشّرف، في معناه الكلّي، حيث اهتموا بجزء واحد من مفهوم شاملٍ، أودعوه قرارا، مكينا، بين فخذي أنثى وجعلوه مرمى فرماهم العدوّ بقذائفه، ليعلّمهم الرّماية الحقّ، و يلقّنهم درسا في فنّ الرّئاسة والعلوّ والرّفعة والتّرفّع، لمن كانت له رؤية تمسح كل المكان، برمّته وأنّ الهدف الكبير، أسمى من الجزء وأنّ الشّرف أرض أوّلا، ومن أضاع أرضه أضاع شرفه، وعفّته، وسمح للغير، أن يعبث بحرمته أمامه، من دون أن يطال حتى الصّراخ، والتّعبير حتى بالبكاء، عمّا فرّط فيه بيده كالمصعوق بالكهرباء.. ولنا في التّاريخ أمثلة من الأندلس إلى الشّرق من الماضي السّحيق إلى اليوم.. فسوء التّصرّف في الممتلكات والرّكض وراء المتعة كلّفت العرب الكثير وما زالت لو لم يستفيقوا بعد ...
العتبات :
العنوان : قاب قوسبن أو أدنى من جهنم... عنوان مستفز يذكّرنا بالجريمة والعقاب... بالجنّة والنّار والشّيطان، بالجزاء والثّواب والعقاب... أو لنقل أنّ فعلا محرّما كاد أن يُقترف أو معصية كانت على وشك أن ترتكب وقد تاب صاحبها في آخر لحظة... بعد أن استعاذ المعني بالذّنب، من الشّيطان.. العنوان ذكّرني بقصّة النّاسك اليهودي الذي قضى ستين سنة من عمره زاهدا في الدّنيا،متعبدا... فإذا به يسجد للشّيطان لينجّيه من الورطة التي أوقعه فيها بعد أن واقع امرأة كانت ترعى الغنم وتأوي إلى الصّومعة، فلما حملت منه قتلها، ودفنها، وكان لها أربعة إخوة فدلّهم الشّيطان في منامهم، على الرّاهب صاحب الفعلة فافتضح ونال جزاءه، وقد نزلت الآية: "كمثل الشّيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمّا كفر قال إنّي بريء منك إنّي أخاف الله ربّ العلمين" كما أخذني العنوان إلى قصّة يوسف وقوله تعالى: وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظّالمون "
الاستهلال: السّارد العليم منذ السّطر الأوّل أعلن أنّ البطلين للقصّة القصيرة أنثى وذكر والحدث ابتسامة... فنصب بذلك شراكه، بوضع فرضيّة بتوقّع احتمال أن لايكون البطل هو المقصود" بالابتسامة، تحسّبا لما يمكن أن يقع لاحقا وكأنّه يريد أن يُبرّأ ذمّته من ناحية، ويأسر المتلقّي ويشغبه من ناحية أخرى، ليذعن لقصّه حتى لا يحيد يمنة ويسرة، وكأنّه بذلك أطلق عنان خياله، لينطلق العرض بأفيش ثان ليدعم العنوان بابتسامة عريضة، كلوحة لحسناء مغريّة تسرّ النّاظرين بطاقمها الأبيض الؤلؤي، فقد تأسر البطل إلى درجة التّوهّم باحتمال أن يكون ربّما هو المقصود؟.. الحدث إذن ابتسامة. ابتسامة عريضة أرسلتها أنثى كانت بداية الحدث وانفعال، وتفاعل، للبطل والمتلقّي، أفرزت اختلاجا وارتباكا شوقا وتشوّقا، زاد في توتّر كلّ الأطراف. بداية قويّة كرأس قاطرة ...الكلّ متحفّز لمعرفة ماذا سيجري وكيف سيتطوّر الحدث.. أين ومتى وقع؟... لنمرّ إلى آخر جملة في القفلة علّنا نظفر ببصيص أمل يدلّنا على ما يستبطنه العنوان؟ "ألا لعنة الله على القطارات فهي تفسد الأحلام..." توقّعت استغفارا واستعاذة من نزغ الشّيطان وندم وتوبة نصوحة.. فوجدت لعنة على القطارات... التي تفسد الأحلام.. والاسترسال في الفعل... أيّ قطارات يقصد وأيّ أحلام؟ ... أهي دلالات أيقونيّة ورموز... لعمر ومحطّات موصولة بكينونة وصيرورة وأحلام يقظة فتكون اللّعنة على سرعة انقضاء الرّحلة وعدم التّمتع بسنين العمر ؟... وبذلك تصبح الأنثى هي الدّنيا... فلو تتبّعنا هاته الدّلالات في النّص، فهل ستقودنا إلى الرّسالة والرّؤيا للكاتب، فحتما لكلّ نصّ علّة غاية وسبب ومقصد مغزى..
فالقصّة القصيرة: تكشف عن حقبة زمانيّة، كما تعكس ممارسات فيئة من البشر، طبائعهم، وسلوكاتهم الاجتماعيّة، اليوميّة، والثّقافيّة، والفنيّة، يجسّمها القاصّ في أدبه بطريقة فنّيّة بشكل واع مدرك لما يدور حوله فيثني على السّلوك الحسن فيمدحه ويضخّم السّلوك السّيّء بالقدح والسّخريّة و المخاتلة بطريقة مباشرة، وغير مباشرة بإبراز الصّراع والرّبط بين السّبب والنّتيجة مع العمل على إقناع المتلقّي، بشكل يجعله ينسجم مع الحكي، أو يرفضه على أن تكون الغاية التأمّل لإعادة التّفكير في الظّاهرة أو الظّواهر من أجل الإحتفاظ بالسّلوك الجيّد ونبذ الرّديء السّيّء ليسمو بالإنسان بعد تعريته ليراجع نفسه ويتراجع قبل أن تتوقّف رحلة العمر ويفاجأ المرء بمحاكمة في الهناك كما تَفاجأ أبطال رواية أين المفرّ لألبار كمو....🐛
حرفيّة المؤلّف في التّأليف والتّوليف :
قصّة على قدر من الإتقان والحرفيّة، استجابت لكلّ مقوّمات القصّة القصيرة، من أسس وقواعد وتأثيث جيّد للبيئة. ووحدة الحدث، والشّخصيّة والمكان والزّمان وحسن استخدام الوصف بشكل مبهر مكثّف خدم كلّ العناصر، في تواصلها مع بعضها البعض بشكل دلالي موحي زاده التّكثيف حراكيّة على ركح مسرح الحدث، في انسجام واتساق المعنى مع المبنى الهلالى المتآلف مع نبض إيقاع القصّة القصيرة... بتدوين جزئيّات خصوصيّة لحكيه رفّعت من قيمة الأثر بشكل مبهر ، بأخذه بعين الاعتبار سبر أغوار النّفس عبر مونولوج فضح سايكولوجيّة المكبوت، وما تفعله مراهقة عربيّة بعيدة عن الدّيار، بعد الدّرس في الغربة، في فضاء عامّ... وكأنّها بطريقة جلوسها وحركاتها قدّمت عرضا في الإغراء، بشكل دغدغت به مشاعر أستاذها النّاضج، (المربي) الذي التقاها صدفة في القطار. يقتنص الأديب لنا الحدث، ويفعّله بشكل يكشف لنا خبايا أمراض نفسيّة، اجتماعيّة، لمغتربين، من شريحة عمريّة و جنس مختلف، أنثى تبدو طائشة، تسلك سلوكا مغايرا في القطار لما عرفت به في مدارج الجامعة، فقد كانت مثالا للاتّزان والحشمة. لينقلب المكان فضاء عنصرا مؤثّرا في الشّخصيّة، وسلوكها، وكأنّه الرّكح يحتّم على كلّ ممثّل يعتليه أن يتقمّص دوره، كما تمليه عليه الشّخصيّة في المجتمع، الذي يصوّره، وبناء عليه نرى التّلميذة أتقنت دور الإثارة والإغراء حيث أنّها أثارت خمسينيّا من عمر والدها، دون أن تنتبه له، يلتقط ابتسامتها العريضة، ويؤوّلها هذا الأخير ويؤطّرها من خلال مشهديّة نقلها الأديب عبر التّخييل بواسطة لغة بأسلوب مميّز، جمع فيه تقنيّات عديدة. للمسرح والسّينما واللّوحة والشّعريّة والشّاعرية والتّقطيع والتبطيئ والتّسريع وباللّعب بزوم كاميراته بتسليطها عبر زوايا مختلفة استنطقت المكان والزّمان باستخدام تقنيّة المسح تارة باستدعاء لفظ الأجيال والطّلّاب لدفع الحدث وشحنه بغية جعله منتجا لدّلالات بطريقة تخدم الرّؤيا والمقصد ... كالتّركيز على ثغرها أو برصد طريقة لبسها وتغنّجها المبالغ فيه المستهتر الملفت للشّرقي الخجول النّاضج (المربي) ...
فنجح بذلك، في تصوير حالة انفعال البطل الذين بدى وكأنّه يبرّر ما قد يحدث من سلوك قد يخدش الحياء، وربما قد يهوي به إلى الهاوية لو نفّذه، إذ ما كان سيقوم به من وجهة نظره، قد سبقه إليه الكثيرين، وكأنّ لسان حاله يقول، فلا يغرنّكم تقواهم، فالكلّ في الهوى سواء، وكأنّه بذلك يطمئن نفسه الأمّارة ويشجّعها للسّير قدما نحو ممارسة الرّذيلة، ويمنّيها بوليمة تستحقّ التّمرّد على الدّين والعرف وكلّ الضّمائر -ضمير الأنا والأنا الأعلى-، وكلّ النّواميس لأجل ما أقرّ عليه العزم -، بعد أن أوهمنا، وأقنع نفسه بأنّه فعلا المعني بالابتسامة، وليس له نظير في مدارج الكلّيّة ومازال مطلوبا ومثيرا بدليل أنّ طالبته لحقت به إلى الهنا، في القطار، بعد أن فاض بها، ورمت بالحشمة جانبا، كما ألقت حقيبة الكتب والكراريس على المقعد المجاور، متخلّصة من سلطة الأنا الأعلى- الكابح لجماح النّزوة والمعدّل لكلّ الرّغبات، فلا منافس على ما يبدو في القطار في الهنا، في هذا المكان، في هذه البلاد المشار إليها في الجملة التّالية، حيث لا مبرّر للخوف والخجل: " لا تخف من أحد في هذه البلاد، حتى من نفسك لا تخف كثير منّا يفعل في الخفاء ما ينهى عنه على منابر الخطباء" هذه البلاد التي يباح فيها كلّ شيء بإسم الحرّية... غير أنّ عبارة القطار الذي كان يتوقّف" في كلّ محطّة يستقبل جيلا بعد أن يغادره جيل" تضعنا أمام:
* تساؤلات وجوديّة:
، فما علاقة الجيل بالمحطّات وبالقطار يا ترى؟ وما علاقتها بالبطل أصلا وتأصيلا وتفصيلا؟... يبدو أنّ القطار بالفعل كما أشرنا إليه في العتبات، كان أيقونة دلاليّة، المقصود بها عمر الإنسان، وما المحطّات المشار إليها والوقفات إلّا تلك المراحل التي تُعلّم وتنحت شخصيّتنا بين فترة وأخرى، كمرحلة الطّفولة والشّباب والكهولة والشّيخوخة أو تلك التي ارتبطت بنجاحنا أو فشلنا، بسعادتنا أو تعاستنا، وقد تكون محطّة انتهاء الحياة وبداية حياة أخرى، وكأنّها إشارة إلى تناسخ الأرواح، لإكمال مسيرة ابن آدم في الحياة المكتوبة، والمحدّدة بأجل، منذ ما قبل الخلق، فكانت بدايتها محتومة، بفعل الغرس، معلومة، ساعة ولادتها بشهقة الحياة الأولى، أمّا ساعة الوداع والتّوقف عن الحركة وعن التّنفّس، تنتهي بشهقة لا يعلمها إلّا قائد الرّحلة سائق القطار...
الخاتمة :
قصّة اعتمدت على الصّوت والصّورة والرّوائح والتّشويق، وإحكام الحبكة، وإبراز الصّراع النّفسي الدّاخلي، وربط العلاقة بين السّبب والسّببيّة، وسرعة الدّخول في الحدث من دون إطناب ولا ترهّل، مع المقاربة، واستخدام تقنيةالحذف من دون إتلاف الحكائيّة ، إلى جانب البلاغة، وتدفّق الصّورة المنتجة للمشهديّة، إضافة لتّناصّ عبر الإشارة إلى قصائد (السّيّاب) و تضمين كلمة أجنبيّة متداولة بين جيل شباب اليوم ك"البوي فراند"- تلك التي أطّرت الزّمن الحاضر، كما أضافت للنّصّ روحا وبريقا كبريق شفتي الفتاة، التي بلّلتها برشفة ماء، إذ تعكس تأثّر الشّرقي بثقافة الغربي وتباعيّته، لا في حرصه على التّشبّه بالمستعمر فحسب، بل لأنّ كلمة الصّاحبة أو الصّديقة أو الرّفيقة لا توجد في ثقافة الشّرقي، فالمرأة في مفهوم الشّرقي، هي: إمّا قريبة أو خطيبة أو زوجة أو مطلّقة أو أرملة... -، كما حضرت المفارقة والمقاربة بين عمر الفتاة العشرينيّة في عمر الزّهور المثيرة، والخمسيني، المدرّس، (المربّي)، الذي كان قاب قوسين من جهنّم. قصّة أثارت لدى المتلقّي، عديد التّساؤلات، كما أوضحت أنّ الشّرقي،، ما زال لم يتحرّر من الصّراع الأزلي القائم بين الأنا والهي، بين الأنا الأعلى الضّمير الضّابط للأخلاق والأنا الشّرقي ..ونعني نظرة الرّجل الشّرقي عموما للمرأة التي على ذمّته، وتلك التي على ذمّة غيره، وعاطفيّته ونرجسيّته، تلك التي تجعله يتوقّع في معظم الأحيان أنّه مركز اهتمام كلّ امرأة تحاوره، أو تنظر إليه فبالتّالي ينطلق في نسج أحلام يقظة، من خلال اقتناص حدث. وقد أحسن تأثيثه بشكل يليق بالأدوار والرّؤية، فالشّخصيّات هي عيّنة من مجتمع اليوم تعيش في المهجر بعيدة عن الوطن، وقد تعمّد الكاتب أن يهجّر الطّالبة والأستاذ الجامعي من أصل عراقي، من بيئة الهناك، وألقى بهما في واقع قصّته في تورونتو كمهاجرين، لإخضاعهما للاختبار والتّجريب في الهنا، فاخترق بنا الزّمن الواقع، إلى الزّمن التّخييلي، فأنتج نصّا من جنس القصّ، تنضيدا وجرأة، لجسّ نبض المتلقّي العربي المدّعي المحافظة، لدفع الكلّ للتأمّل وإعادة النّظر في حدث قد يتكرّر في كلّ يوم... ناقلا صوت الأنا الهو، والهي، والأجيال الصّاعدة، عبر سارد عليم ، فتضارب واقع القصّة، مفعّلا الرّؤية والمقصد مباغتا البطل والقارىء بنهاية صادمة زادت في توتير الكلّ واضعا في الميزان الخوف والخجل و الأخلاق وعدم الخشية من الرّقيب ومدى اتّزان مدرّس شاعر فنّان، عانى من الأهوال، خمسيني واقع بين الإنضباط وبين مجارات الأجيال الجديدة، والأمل في ما يبثّه بأنّ الغد أفضل، وسيفتح له ذراعيه فتفتّحت أمامه جنّيّة إنسيّة (أميرة) محنّكة في الصّيد والاصطياد، لها سنّارة تُوقع النُّسّاك، فالزّمن لديها مجرّدٌ، لا يعترف بالشّيب، -حسبه- أنسته جفاف منابعه والغيث الذي فارقه، بعد أن هجرت فراشه زوجته حسب ادّعائه، وتعمّد مقارنة حالته مع طلّاب اليوم من الجيل الجديد المتحرّر من الخوف، وكلّ مظاهر الحشمة، المتخمين من شدّة النّهم والعبث، مستجديا عطف المتلقّي ليتعالق معه بالتّعقيب، والتّعليق، لنسج نصّ يدافع ويبرّر هاته الميول الغرائزيّة، التي بدت غرائبيّة غير مألوفة لدى البعض في المشرق، فنتازيّة ربّما ، وقد ينبذها فيعتبرها سلوكا حيوانيّا، واستهتارا لكهل متصاب، غير مؤهّل، للحفاظ على بناته، فالطّالبة تعتبر من عمر بناته، بدت مستهترة، في مظهر غير لائق، حسب الوصف الذي حرص أن ينقله لنا، فانجرف بأحاسيسه، فبثّ الأديب في الأثر الرّوح بشكل ملفت، يحسب له أظهرت براعا ومقدِرة في تطويع اللّغة، لتمثيل السّكون والحركة والظلّ والظّلال والضّوء..كمثّال ماهر تمثّل كلّ جزيء في الجسم الذي ينحته...طرح مشكلة التّربية والأخلاق، وسكيزوفرينيا وتوقّف الحياة الزّوجيّة بين الأزواج لدى الشّرقيين عموما، بحجّة أو بأخرى، مشيرا إلى ما يمكن أن ينتج عنه من انزلاق، كلّ هذا من أجل حلحلة واقع بعد تأمّله ولو بنصف عين من خلال المتاح العاكس لخيالنا وظلّنا حتى لا نظلّ في آخر الرّحلة فنحرم عبق الجنّة..
سهيلة بن حسين حرم حماد الزهراء تونس 26/11/2020 الكاتب: هيئة التحرير بتاريخ: الثلاثاء 01-12-2020 05:09 مساء الزوار: 261 التعليقات: 0
|
|