|
يحتوي ديوان "محجر الدموع جف" للشاعر والمفكر الأردني/ الفلسطيني الدكتور زهير توفيق على ثلاث قصائد فقط، الأولى (فلتغسلوا قلبي برؤيا يا أهالي الأندلس)، والثانية (غزة – يا أيها الخطباء كفوا عن دمي)، وهاتان القصيدتان قصائد ملحمية طويلة شغلت ما يقرب 90 % من الديوان، وقصيدة ثالثة بعنوان:(الجندي لا يحلم بالزنابق البيضاء)، ردا على قصيدة درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء الرومانسية"، وفيها : "أخي الثاني كجندي مضى... بجهازه العصبي في رحبوت. أختي -الشحيحة - بالتّبني، عانق العربي لذّتها فشرّدها أبي. وماتت في شعاب المسغبة. وعمتي مستوطنةْ. ليتها أضاعت بعلها الدموي في يافا. قبيل إنشاء السيادة فانتهت في اللد ثيبا أرملة... كفر قاسم بصمتي في العاصفة. أختي البعيدة عن أبي؛ أضاعت ابنها الجندي شاؤول الوسيم بذات صيف في جنوب الناصرةْ. أختي انزوت في عقرها، وتوسدت تلمودها. وعليه ربّت في غياهب عمرها، كلباً يشمّ رائحة العربْ. .. وأفردت فيها الجرائد صوتها، لتقول ما شاءت من الهذيان. والأحلام في بيت الدمى... وأختي غادرت حيفا إلى النمسا. وحجّت من هناك إلى كنيس المقبرة. وهناك أبرق ضيفها لحبيبها المكسور في (تل الهوى). فأضاء في خلجانه رمق الحياة وردّ يوماً في المساء على كآبته الرصاص". وقد أرتني جارتي (راحيل) من أرشيفها الحربي - في العيد القديم - رسالة صرخت بها: أن هاجري يا خالتي أخشى عليك من الغرق. هذا ويشكل الديوان نقلة نوعية وتحول عن الديوان السابق (سماء أوديتي رؤاي) الذي استند فيه الشاعر على مخزونة الفلسفي والمعجم الصوفي بالأساس خاصة في النصوص الأساسية وهي "دمشق باب الرؤيا" و"معراج جلجاش" أما في "محجر الدموع جف" فعاد الشاعر إلى التاريخ والواقع الحي، وكشف عن العلاقة الترابطية بين الماضي والحاضر من خلال النكبة والطرد والمأساة المستمرة من الأندلس في الذاكرة إلى مأساة غزة في الواقع . تناولت القصيدتان المتداخلتان في المحتوى والتشكيل الدرامي المركب، نكبة العرب الممتدة من سقوط غرناطة سنة 1492 م وما تبعه من قتل وتهجير وملاحقة محاكم التفتيش وأخيراً الكارثة الكبرى بالطرد النهائي للمورسكيين من الأندلس سنة 1609 كما جاء في القصيدة الأولى، وما عاناه هؤلاء من عذابات لا نظير لها حتى من ذوي القربى الذين وقفوا عاجزين عن مد يد المساعدة والتخفيف من ويلاتهم .وفي التفاصيل ،جال الشاعر في تاريخ الأندلس من طارق بن زياد و عبد الرحمن الداخل إلى ملوك الطوائف وبني الأحمر، ومعالم الأندلس ومدنها المنكوبة ملقا واشبيلية وقرطبة وطليطلة وغرناطة الشهيرة بمعالمها المشهورة بحي البيازين وباب الشريعة والحمراء وبركة الأسود وبني سراج وجنة العريف وغيرها والحياة السرية للمسلمين الذين تنصروا في الظاهر، وأبقوا على إسلامهم في السر رغم التهديدات والعقوبات التي تصل الإعدام بالحرق، ومن أجواء القصيدة التي تعاين الواقع المرير في التاريخ وانعكاساتها على الشأن الحالي الذي نعيش من بكائيات ونزف جراح وتهجير وإبادة يقول بفم ملآن بالأسى : "أمن غيّي أجاور ما استطعت من العواصف والجحيم وأحتفي بمناكب الجوزاء رغم تفتحي في البيلسان كأن رأسي كان في الهيجا مليكاً ثم ملقى في الوغى بين الغزاة وعندما يأتي زبانيتي إليّ ويرفعون على الأسنّة هامتي يتداولون "بني سراج" في رياح الأندلس أمن حقي الوجود على الثرى ؛أم كان أقصى ما يكون بحوزتي مثوى بضاحية الأسود ما كدت أنسى، أن لي أنثى تمسّد لي جراحي بالرحيق وتستحيل قرنفلة ما كدت أنسى ما تبدّى في الرحيل من الردى حتى صحوت بما يسمى قرطبة. ... آه يا غرناطتي ما زلت أزهر في دماي واعتلي روحي وأهرب في المسيرة من خطاي وكنت أدنو في الخليقة من غبار تشكلي قبل العوام وأستوي في العرش فوق العالمين كأن رأسي في العلا لا كان غيري في الدنا، ولا أحد سواي". وهنا، نلاحظ بنية شعرية تتراوح بين المقاطع الغنائية والمقاطع الملحمية الطويلة، وترتبط رؤية القصيدة هنا بالقصيدة الثانية عن غزة المعرض أهلها للتدمير والتهجير وكيف سيكون مصيرهم كمصير أهل الأندلس إذا استمر التخاذل والتراخي العربي فالتهجير والطرد وارد، والقتل والتدمير على قدم وساق. وفي قصيدة "غزة" تحوّلت ريشة الشاعر إلى عدسة أو عين سينمائية ضمن رؤية درامية لتصوير مشاهد الدمار والتهجير والتقتيل ومثل قصيدة "الاندلس" حيث نرى الشاعر أكثر تجوالا في الامكنة في غزة ورفح وتل الهوى والقدس والجليل والخليل وغيرها ذلك المدن الأكثر جراحا، نقتطف هذا المقطع الشعري الرؤيوي الدرامي: "أرثي لحالي عندما لامت حماتي ما لمست من الرياح على الشجرْ وأردّ شكراً، طاب يومك والسلام على جذوري في الصدوع وفي الدهور وفي الحجرْ أمشي على هدي البصيرة في الذرى أو في خريفي المستباح من الكفيف وأعتلي دربِ المسيحِ وأشتري مثوىً يدل على وجودي في المعاجم والعظام وأختفي زمناً على وقعِ القنابلِ والدماء فيختفي وجهي وجلُّ ملامحي، وعليه أدفن في الخلاء وفي الصحافة سوف تبكي جارتي أمُّ الثعالبِ في عيون العالمين هل يستمرُّ القصفُ ليلاً يا ترى هل كنتُ أول من رأى موتاً تمطّى عندما دوّى صفير القدس في (بطن الهوى)؟!". لا تكتفي القصائد بعرض المأساة وتخاذل أبي عبد الله الصغير وحاشيته في غرناطة وصور النكبة على سبيل المثال؛ بل استعرضت فكرة الأمل والمقاومة بصور متلاحقة من خلال شخصية الفارس الغساني الذي رفض الاستسلام، واستنهض الهمم وشباب غرناطة بالوقوف في وجه الغزاة ملوك قشتالة والأرغون، وخرج وقاتل حتى قتل خارج أسوار غرناطة، بعد سقوط آخر معاقل العرب والمسلمين تنتفض غرناطة مرة ثانية بثورة البشرات الكبرى التي لم تجد من يساندها ففشلت وتلقى بعدا المورسكيون حملة شعواء من التقتيل والتهجير ومسح الهوية. ونظراً لهذه البنية الملحمية التي فرضت نفسها على التقنيات الأسلوبية في التعبير الشعري فقد تعددت الأمكنة، وتداخلت الأزمنة، وبرزت المقاطع الحوارية والتدوير في النص ، والتكرار والحذف و الطباق والتقابل، وتعدد الأصوات ببنية شعرية تتراوح بين المقاطع الغنائية والمقاطع الملحمية الطويلة. بلغة مرنة لا تحتمل والتعقيد سهلة الهضم تقترب من ذائقة المتلقي، لغة شفافة لا تعتمد البهرجة اللغوية وزخرفتها.. لنجد عنوان الديوان "محجر الدموع جف" و لوحة العنوان المركبة عتبة النص الدالة على المضمون وأبعاده التراجيدية التاريخية والواقعية، فالغلاف في الجزء الأسفل لوحة طرد المورسكيين للفنان الإسباني غابريل بيوغ رودا تظهر أقسى درجات الفزع والدرجة المطلقة للكارثة والنكبة مركبة على صورة من صور الهجرة القسرية والطرد إبان نكبة فلسطين المتكررة وآخر نسخها غزة . وقسم الشاعر كل قصيدة من القصيدتين إلى مقاطع، وعوضاً عن العناوين الفرعية اكتفى بترقيم المقاطع، وشكل كل مقطع قصيدة منفصلة، لكنها متصلة ومتداخلة ومتكاملة مع السابق واللاحق من المقاطع. و زهير توفيق كاتب وشاعر وأكاديمي أردني من مواليد القدس، 1957، باحث في قضايا الفلسفة والفكر العربي والنقد، ورئيس جمعية النقاد الأردنيين، عضو الجمعية الفلسفية الأردنية، شارك في عشرات الندوات والمؤتمرات الفكرية والنقدية والشعرية، صدر له من الكتب الفكرية والفلسفية : أديب اسحق مثقف نهضوي مختلف 2004، خطاب العلم والتقدم 2006، المثقف والثقافة 2013، النقد الفلسفي من الإصلاح إلى التغيير ومن النقض إلى التقويض 2016، اشكالية التراث في الفكر العربي المعاصر 2013 ، النهضة المهدورة، مراجعات نقدية في المشروع النهضوي العربي وبناه المعرفية. ومن إصداراته الشعرية: أضواء ليلى في بحار السندباد، سماء أوديتي رؤاي، و محجر الدموع جف. وحاز على العديد من الجوائز الأدبية في الشعر والفكر. الكاتب:
مراقبة التحرير والنشر بتاريخ: السبت 05-04-2025 11:44 مساء
الزوار: 41 التعليقات: 0
|