عرار- متابعة في أجواء الربيع التونسي وضمن الحراك الثقافي والفني الابداعي الذي تشهده مدينة نابل التي تعطّرت بماء الزهر وتحلت بجمال فخارها وخزفياتها، احتفت جمعية مسرح الابتسامة للمسرح بنابل بالذكرى العشرين
لانبعاثها حيث أنها شكّلت عنصرا أساسيا في حركة المسرح بالجهة من خلال أعمالها وانتاجاتها المسرحية المنعقدة فضلا عن اسهامها في حركة المسرح عموما بتونس.
هذا الاحتفاء كان له طابع خاص تمثّل في جمع أطياف من العائلة المسرحية بأقطار المغرب العربي في خطوة حالمة وطموحة وتمثلت في انتظام الدورة الأولى للمهرجان المغاربي لمسرح الهواة ضمن لمسة وفاء للراحلين من أقطاب مجموعة الابتسامة للمسرح وهما البشير البجاوي وصالح بن عربية...
هذه المبادرة دعمتها المندوبية الجهوية للثقافة بنابل ضمن وعي بأهمية توسع دائرة المبادرة والنشاط الثقافي بما يعكس حضور الابداع التونسي خارج حدود الوطن وإشعاعه أيضا. وقد عملت المندوبية على إنجاح هذه الفعالية ضمن السياق الثقافي العام الذي شهد أيضا تواصل فعاليات الدورة الرابعة لأيام الفنون التشكيلية ضمن عنوان هام وهو 'الفنون بين العصامية والاحتراف' وذلك بدار الثقافة بنابل الى جانب المعرض الخاص بفنون الخزف بفضاءات المركز الثقافي نيابوليس بنابل والذي مثّل بانوراما فنية وجمالية لأبرز الابداعات الخزفية بالجهة ويأتي كل ذلك بالتزامن مع انتظام معرض نابل السنوي الذي مثّل مجالا حيويا للمواطنين في علاقتهم بالحركة الاقتصادية التي يساهم فيها الحرفيون والمهنيون والمبدعون في قطاعات النسيج والخزف وانتاج مياه الزهر والورد ومختلف العطور التقليدية الأخرى...
هذه الفعاليات تزامنت مع شهر التراث بل ذهبت في عمق فلسفته الثقافية والفنية والوجدانية...
المهرجان المغاربي الأول للمسرح الهاوي بنابل مثّل محطة بارزة في قطاع المسرح التونسي من خلال البرنامج والضيوف والاقبال والمتابعة.
الافتتاح انطلق بمعرض حول تجربة جمعية مسرح الابتسامة بنابل حيث برزت خصائصها من خلال الأعمال التي أنتجتها ضمن سياق ومسارات مسرح الهواية الوطني في تونس خلال عقدين من الزمن.
كما تمّ عرض صور ووثائق عن تجارب المحتفى بهم في هذه الدورة وهم المرحوم صالح بن عربية، المؤلف المسرحي الذي تعاملت معه الفرقة وساهم في نجاحها عبر مسؤوليته بها والأديب والكاتب المسرحي محمد يحيى والمؤلف المسرحي والسيناريست الليبي مصطفى خشيم، كما كرّم المرحوم البشير البجاوي باعتباره أول رئيس لجمعية مسرح الابتسامة والممثل بالفرقة القارة بنابل.
العرض المسرحي الأول كان من تقديم جمعية النهر المسرحي بعنوان 'بريستيج للّة' ثمّ فسح المجال للدكتور محمد مسعود إدريس الباحث المسرحي والجامعي التي قدّم مداخلة ضمن الندوة الفكرية بعنوان 'آفاق المسرح بالمغرب العربي' وقد تحدث عن المكونات التاريخية والفكرية والثقافية والتقاليد لأقطار المغرب العربي من ذلك مساهمة التونسيين في النضال والمقاومة مع الليبيين في سنة 1911 وذلك عبر المسرح والاعلام وعن زيارة الزعيم الباروني لتونس واحتفاء أحمد بوليمان به وبدعم المجموعات المسرحية الليبية وأشار الى احتضان الاسكندرية لتأسيس جمعية شمال افريقيا وبعدها جمعية طلبة شمال افريقيا الأمر الذي مهّد الأرضية لتأسيس مكتب المغرب العربي وكل ذلك ساهم في ما بعد في الانطلاقة المسرحية وكل هذه الأشياء المشتركة ساهمت في فكرة بعث وبناء المغرب العربي...
وأشار الدكتور ادريس الى أن المسرح هو فنّ الممكن وفيه الحلم لتحقيق أشياء لا عن طريق النقل بل عبر الايهام واللغة المسرحية التي تلامس المخيال أكثر من المحسوس والمادي...
واستعرض المحاضر البحوث المسرحية في التراث مشيرا الى تجارب عزالدين المدني والصديقي...
المتدخلون في الحوار أثاروا عددا من القضايا المتصلة بالمسرح الهاوي ومنهم الفنان مصطفى خشيم الذي تحدث عن العلاقات بين المسرحيين التونسيين وغيرهم في الأقطار المغاربية مشيرا إلى عدد من المهرجانات المغاربية والأعمال المشتركة منها بالخصوص تجارب المخرج الليبي فرج أبو فاخرة وقال إنّ الموضوع يحتاج إلى نظرة جادة خصوصا من قبل المسؤولين.
واهتمت بقية المشاركات بالورشات ودورها في المهرجان والروابط القوية التي تجمع بين المربين والمثقفين في الأقطار المغاربية خصوصا الذين تتلمذوا في رحاب جامع الزيتونة المعمور.
في اليوم الأخير كان المجال فسيحا أمام العروض المسرحية حيث تابع الجمهور عرضا مسرحيا لجمعية القزح للإبداع بتونس بعنوان 'نشاز' وقد أبرز هذا العمل قيمة المجموعة في مستوى الاداء وجمالية الحضور على الركح وقد أطرّ هذا العمل وأخرجه الفنان المبدع عبد اللطيف بوعلاق حيث مكن هذا العرض الضيوف من الأقطار المغاربية من التعرف عن كثب عن حيزّ من تجارب المسرح التونسي الحديث.
وقدمت جمعية مسرح الإبتسامة عرضا مسرحيا خاصا بالأطفال بعنوان 'الأصدقاء الثلاثة' وهو عمل جديد تابعه جمهور المهرجان وتفاعل معه الأطفال وعائلاتهم خصوصا من حيث القيم الإنسانية والاجتماعية التي يحيل عليها. ويعتبر هذا العمل تجربة أخرى تنضاف إلى رصيد مجموعة الإبتسامة بنابل ضمن نشاطها المسرحي العريق.
جمعية أحلام تلمسان المسرحية بالجزائر قدمت مسرحية بعنوان الدّوامة وهي مسرحية درامية وكوميدية تعالج مواضيع اجتماعية مختلفة من خلال فنان يحلم بأن يصل إلى مبتغاه ولكنه يجد نفسه فجأة في قفص الإتهام.
أما الشخصية الثانية فهي لرجل يعيش كل أنواع الصراعات وله عدة طموحات بالرغم من أنّه يعيش في دوامة وعمي حموّ رجل حكيم إلا أن المشاكل الإجتماعية تؤدي به إلى ما لا تحمد عقباه.
هذا العمل الجزائري كتب له السيناريو وأخرجه الفنان نقادي عبد اللّطيف وشارك فيه نقادي بدر الدين وبوصالح الياس ومعزوزي صمية وبوصالح عبد العزيز وملاي أم كلثوم فقد تفاعل معه الجمهور بشكل ملفت.
العمل المسرحي الآخر هو لفرقة الفن للمسرح ببنغازي الليبية وعنوانه 'إزالة لغرض التصوير' وقد أبدع الممثلون الشبان في هذا العمل من خلال آدائهم حيث كانت المسرحية مبنية على تيمات إجتماعية وظواهر إنسانية متعدّدة...
هذه المجموعة الليبية يديرها الأستاذ فرج العوامي وتأسّست سنة 1992 وقد نالت عديد الجوائز في المهرجانات المختلفة ومن أعمالها المسرحية نذكر 'الملتصقان' من إخراج فرج أبو فاخرة و'طاجين ليل صيف' من تأليف علي الفلاح وإخراج خالد الشيخي ومسرحية 'جاك الليل' و'لست أنت جارا' من تأليف الأديب التركي الشهير عزيز نسين وإخراج داود الحوتي والمسرحية المشاركة في هذه الدورة 'ازالة بغرض التصوير' من تأليف وإخراج هيثم درباش.
حفل الاختتام كان مناسبة لتكريم الفرق المشاركة والكلمات الانطباعية للضيوف وتبادل مسؤولو الفرق المشاركة الشعارات والهدايا التذكارية وكانت بحق لحظات حميمية حيث نشط المسرحي عماد الوسلاتي مختلف فقرات هذا الحفل الذي كرّم فيه عدد آخر من المسرحيين من تونس والجزائر وليبيا وهم الاستاذ فرج العوامي مدير مسرح الفن ببنغازي الليبية والمخرج الجزائري نقادي عبد اللطيف والمسرحي التونسي عبد اللطيف بوعلاق والفنان الليبي الأمين همان والفنانة التونسية نبيلة. كما كرّم المشاركون الفنان المسرحي والمبدع فوزي بن براهيم المسؤول عن فرقة الابتسامة للمسرح بنابل باعتبار الجهود المبذولة من قبله والمندوبية الثقافية بنابل على هذا التأسيس المسرحي كما تمّ الاتفاق بين المشاركين على أن تنتظم كل دورة ببلد من بلدان المغرب العربي.