عمان- إبراهيم السواعير - محاضرة (التعلّم والمواطنة)، التي ألقاها العين السابق طلال أبو غزالة في مركز (الرأي) للدراسات، اشترطت تحرير العقل من قيود الوظيفة والروتين والأفق الضيّق، مهتمّةً بالراحة التّامة في الإنجاز، وعدم تحميل الأمور فوق ما تحتمل.
المحاضرة، التي استجاب لها أكاديميّون ومثقّفون وإعلاميّون وقدّم الضيفَ فيها مديرُ مركز الرأي للدراسات د.خالد الشقران، استثمر فيها أبو غزالة المفهوم العالي للمواطنة؛ في ظلّ هذه الشفافيّة المتاحة، مؤسِّساً لموضوعه بمرتكزات: التعلّم، والتعلّم والمواطنة، والمواطنة، والولاء، والمعارضة الموالية والموالاة المعارضة.
اهتمام المحاضر بالتعلّم؛ مبادأةً وشعوراً بالخلق والابتكار والفضاء، ينقُضه الركون إلى التلقي البارد لنظريّات التعليم، في وقوف هذه النظريات على التلقين ومحدوديّة العطاء وقَصْر الهمّة عن تتبّع الشّذرات واستجلاب فوائدها العظيمة، وهو ما يراه أبو غزالة غايةً في الإحباط، إذ يضيع على (الوطن) خيرٌ عميم في إنتاجه متعلّمين يخدمونه، ويطبّقون مفهوم المواطنة فيه؛ بوصفه وطناً يبقى، وينتهي إليه كلّ هذا الإنجاز، الواقع، أو المتصوّر في الأذهان.
التعلُّم، الذي وصفه مداخلون وجهاً من وجوه الثقافة، يستلزم عند المحاضر برامج وآليات وآفاقاً وخططاً استراتيجيّة، تواكب، وتقرأ العالم، وتيسّر من العمل المؤسسي الجامعي في المورد البشري عنصراً أصيلاً من عناصر التنمية، يتسلّح بما يحفزه من ديمقراطيّات وحريّة وكرامة واحترام يكون محلّ تبادلٍ بين الدولة وأبنائها، وليس هذا غير ضامنٍ مهمّ للمواطنة الواعية التي لا تلتزم بحيّزها الضيّق في الفهم.
في سبيل هذه المواطنة، سار أبو غزالة في تفريقه بين اختزان المعرفة إلى اختراعها، وصناعة الثروة بها في تقنياتها واتصالاتها، والانتقال إلى (التعلّم)، الذي هو غير متصالح كثيراً مع التعليم التقليدي القائم، وأقرَّ أهداف التعليم الجيّد، بدلاً من المباهاة بالخريجين الجيّدين. وضَمِن المحاضر بالتعلّم تحصين المجتمع من الفساد والاستغلال والتسلّط وتغوّل المتنفّذ على الأعمّ الأغلب، مثلما أكّد به عالماً من الإبداع يلحق بثورة المعرفة، وقد تأهّل بالنوعيّة والتخطيط وفتح المنافذ لتصريف الطاقات.
من ذلك، وجد أبو غزالة أنّ من الخطأ الجسيم ألا يفهم المنتمي أو الموالي معنى الانتماء والولاء، على حقيقته؛ حيث الصّلة التي لا تنقطع بأرضه ووطنه ومجتمعه وبالمصير المشترك، نفعاً أو ضرّاً، في النشأة على الحقّ والواجب، وهو ما تضطلع به كما رأى المحاضر البرامج المدرسيّة وما يسير في ركابها من برامج تنساب من غير تعقيد في ما يلي المدرسة من مؤسسات، منها الجامعة.
دولة القانون، وتنمية روح المواطنة، أساسٌ لثقافة تحمل هذه المواطنة، وكما وجد أبو غزالة، فإنّ فرقاً هو لصالح السياق العربي في (سيتيزن شيب) الأجنبيّة، مهتمّاً ب(إديوكيشن فور سيتيزن شيب)، الحامل لبذرة التعلّم للمواطنة، الذي يقترب منه (التعلم عن المواطنة)، ومن خلالها، بالمشاركة وتعزيز قيم المسؤولية الاجتماعيّة وتطبيق ما هو مثاليٌّ، يسود في المجتمعات.
كيف تكون الدولة صاحبة طموحٍ في خلقها بيئة التكنولوجيا والمعلومات والاتصالات؟!.. سؤالٌ يجيب عليه أبو غزالة؛ متمثّلاً بخبر قرأه في صحف سعوديّة، عن السعي لتطبيق نظامٍ يربط سجلّ الطالب الأكاديميّ بإنجازه للأعمال التطوّعيّة، لتصبح ضمن وثيقة تخرّجه الجامعيّ مطلع العام المقبل.
قراءة المحاضر لنماذج الكليّات الجامعيّة الأميركيّة المتخصصة في المواطنة، وغيرها من الشواهد، شكّلت حافزاً لأن تكون كليّة طلال أبو غزالة للدراسات العليا تطبّق مبادئ التعلّم من أجل المواطنة ببرنامجٍ أكاديميٍّ خاص.
وفي عرف المحاضر، فإنّ المواطنة تكون في شعور المواطن بمشاركته الفاعلة في خدمة رسالة وطنه، وإدارة شؤون مجتمعه، فتلتقي المصلحتان العامّة والفرديّة. كما أنّ الذي وقف عليه أبو غزالة هو أنّ المواطنة صفة أساسيّة لكلّ من يحظى بشرف الانتماء لهذا الوطن- الأردن- ويحمل هويّته ويلتزم بشروط ذلك الانتماء، ومن أهمّها الدستور والقوانين المرعيّة، فلا يكون دور المواطن حياديّاً أو سلبيّاً مهما كان موقعه ومكانه وإمكاناته، قلّت أم كثرت.
وكما أن الولاء تشدّ منه القناعة؛ فإنّ المواطن بهذه القناعة لا يُلقّن معنى الولاء أو الانتماء، بل يحسّ بأنّه جزءٌ من إدارة نظيفة ونزيهة وأمينة على مصلحته، بصفته مواطناً، وعلى منفعة الوطن الذي ينتمي إليه.
بهذا التسلسل، وقف الحضور على العلاقة التبادليّة للمواطنة، وعلى ولاء المواطن لبلده؛ أرضاً، ودولةً، وقيادةً، ورموزاً وطنيّةً، فيترسّخ اعتزازه بوطنه وتتنامى لديه مشاعر التفاني والانتماء والغيرة الحقيقية على مصلحة الوطن وازدهاره ومكانته المرموقة وحمايته من كلّ ما يهدد أمنه واستقراره وعافيته.
وقبل أن ينفذ المعارض إلى متلازمة (المعارضة الموالية والموالاة الموالية)، شرح معنى الولاء الذي ينطلق من الأسرة وينتهي بالأمّة، ويكون موجّهاً للوطن، ممثلاً برموزه من أعلى قمّة الهرم، جلالة الملك، حيث جلالته هو الضّامن لأمن واستقرار ووحدة وازدهار هذا الوطن.
شرح أبو غزالة معنى أن تكون المواطنة هي قاعدة الولاء النزيه الحقيقي، وأن تكون المواطنة والولاء صنوين لا يفترقان، وألا ننظر إلى الولاء حالةً ذهنيّةً معزولةً عن واقعها، بل نتيجة طبيعيّة للعلاقة القويمة بين المواطن والوطن.
المطالبة بالإصلاح، كما رأى المحاضر، ليست خروجاً على الولاء للوطن وقيادته، فهنالك ما يُعرف في الديمقراطيّات، وخاصّةً في بريطانيا بالمعارضة الموالية (هير ماجيستز لويال أوببوزيشن)، حيث المعارضة الموالية هي الحزب، أو ائتلاف القوى التي تكون خارج الحكومة، لا الحكم، فتكون المعارضة في إطار التزام كلّ الأطياف السياسيّة بمصلحة البلد وأهدافه الوطنيّة التي لا تُمس، فالقول البريطاني: (لا يمكن لأيّ حكومة أن تنعم بالطمأنينة والاستقرار إلا في وجود معارضة قويّة لها)، كان شاهداً قويّاً عند المحاضر، في المحاضرة التي شهدت نقاشاتٍ شتّى، مزج بها أصحابها الثقافيَّ بالسياسيِّ بالاقتصاديّ، محمّلين الجامعات مسؤوليّة خلق جيلٍ مثقّفٍ، واعٍ، يقرأ، ويبادر، وينجز، وتتطلّع عينه إلى المحيط.