زياد أبو لبن - كنت أحتاج إلى إعداد جيد في ما يحتاجه المسافر لقطع مسافة من عمّان إلى ناعور، ولم أعرف من ناعور إلاّ معهد وكالة الغوث، والطريق الذي يشقّها وصولاً للبحر الميت أو الغور.
قرية تتناثر البيوت على أطرافها، ويصطفّ عدد منها على الطريق الرئيسي، تتخللها دكاكين صغيرة، وهي محطة للعابرين نحو الغرب. وإذا سعيت للتجوال في طرقاتها تسعد بتلك البساتين الجميلة، والمياه المتدفقة في مسايل تتشعب معك إلى وادي أبوسليط. وينابيع المياه تملأ المكان، لعلّ لها من اسمها نصيب.
أذكر أن زيارتي الأولى إلى ناعور كانت العام 1980، وإن كنت قد مررت بها قبل ذلك بسنوات في زيارة للضفة الغربية. كانت آنذاك آية في الجمال، تستمتع ببراءة الطبيعة، وتفيض روحك بسحرها نهاراً، وتتهيّب الحياة ووحشتها في الليل. تطأ أقدامُ المزارعين والتّجار أرضَها نهاراً، وتسكن الطيورُ والزواحف والوحوش براريها.
لم أتخيل أنني سأكون إحدى الزواحف التي لجأتْ للسكن في ناعور في نهاية ألفية القرن العشرين، ويحطّ بي الركابُ في بيت يعود لأحد أفراد أسرتنا يعمل في الخليج، كان قد اشترى أرضاً وبنى عليها بيتاً يطلّ على مرتفعات القدس، ويحدّق في مدينة أريحا على مرمى البصر، ومنه يشاهد المرء أضواء بيوتات السلط تتراقص على مرتفعاتها من بعيد.
كان البيت موحشاً وسط أرض تمتد من الجبل للوادي، في غابة من أشجار الزيتون والعنب. في الشتاء تركب الغيوم التي تلامس الأرض، وفي الصيف تحذر من العقارب والثعابين التي سكنت المكان قبلك بسنوات طويلة إن لم تكن بقرون أطول.
عرفتُ أصدقاء بيني وبينهم مودّة كبيرة، امتهنوا الكتابة، وخرجوا من القمقم المسحور في قرية أبت إلا أن تكون شاهدَ هجراتٍ عبر تاريخ ممتدّ، من الشركس والبدو والفلسطينيين. الكاتب الكبير عيسى الناعوري دوت صرخته الأولى لحظة الولادة في حضن ناعور، وهناك من دوّى صوتهم في الصحافة والإعلام، وفوق المنابر الإبداعية.. هؤلاء أصدقائي الذين أشعر بدفء كلماتهم وفرحهم بوجودي بينهم في ناعور، الشاعر زياد العناني والشاعر أحمد أبو ردن والشاعر إبراهيم السواعير والروائي أحمد كايد.
عرفت أصدقاء كُثراً، وتحولت علاقاتي مع بعضهم إلى عائلية، أشاركهم أفراحهم وأتراحهم، وزارني أصدقاء فلم أسمع منهم إلا كلمات تعبّر عن سحر المكان وجماله، هذا المكان الذي كتبت فيه قصصاً نُشرت في مجموعتَي القصصيتَين «هذيان ميت» و»أبي والشيخ»، وكتبت قصصاً للأطفال، ودراسات ومقالات في الأدب والنقد، من وحي المكان وفي ظلاله. فللمكان فضلٌ عليّ يشابه فضل الذين شجّعوني على المضي في مشروع الكتابة.
توالت على ناعور حضارات قديمة، تركت في زوايا المكان خرائب وشواهد أثرية تدلل على أنماط معيشة الذين سكنوا المنطقة من عهد الهكسوس إلى العمونيين إلى المؤابيين، إلى الرومان واليونان، إلى العهود الإسلامية، مروراً بالأمويين وانتهاء بالعثمانيين، إلى أن جاء الاستعمار البريطاني، ثم أطلّ فجر جديد جسّده بناء دولة حديثة لها أركانها.
ها هي ناعور تمتد في نظام إداري يتبع أمانة عمان الكبرى، بعد أن تآكلت الأرض الزراعية، وجفّت النواعير، وهجرت الزواحف والطيور والوحوش البرية أرضها، وامتدّ العمران لتصبح المنطقة مكتظة بحركة الناس والسيارات..
وبعد مضي سنوات على إقامةٍ فيها، أهجرها مع المهاجرين، ويستقر بي المقام في مرج الحمام، وأتخذ مكاناً يقع وسطاً بين ناعور والمرج، فيرتدّ بي الحنين لناعور التي جئت إليها في براءتها، فقد تمضي بك الأيام والسنوات ولا ترى في مرج الحمام حمامة تحلّق في فضائها، بعد أن تحولت الطائرات الورقية إلى حمَام يمتد في زحمة المكان، وتحولت المروج الخضراء إلى بروج إسمنتية تتجاور وتتشابك لتحجب نور الشمس.
لم يبقَ لي من ذكريات المكان إلا أوراق مبعثرة، وأقلام مثلّمة تنتظر عهداً جديداً في الحياة، قد يكون رحيلاً مؤقتاً أو رحيلاً أبدياً، وعلمه عند ربٍّ واحدٍ أحد.
منقول عن الزميلة الرأي