إلياس فركوح - أراني، حيال السؤال عن المؤتمرات والملتقيات الخاصّة بأجناس الكتابة، أطرحُ تساؤلي بالمقابل، وعلى النحو التالي: لماذا تُعقد أصلاً؟ وعند الإجابة المحددة يصير لنا أن نمتحن جدواها، وما حققت على ضوء السبب المعلن.
من جهتي، أفترضُ بأيّ مؤتمر أو لقاء أدبيّ واسع أن يحدد لانعقاده عنواناً بعيداً عن العموميّة، لكي يصار إلى حصر أعماله بمجموعة أوراق ذات صلة مباشرة بالعنوان/ الهدف والغاية. كما أفترضُ بتلك الأوراق توفرها على أطروحات وأفكار واجتهادات جديدة لم يسبق أن تم تناولها في مؤتمرات سابقة، وإلاّ تكون قد استنسخت، عملياً، مجموعة تجارب قديمة بأوراق «جديدة» طالها تعديل هنا أو هناك، دون المساس بجوهر المعروف والمتداول.
والأصل في مؤتمرات أدبيّة متخصصة، أن تولي العناية والاهتمام، وفي المقام الأوّل، بانسجام المحاور واستكمال بعضها لبعضها الآخر من جهة، وبذلك يصير العمل على رسم صورة لحالة واحدة بمنظورات متعددة. وكذلك، الانحياز عند الاختيار لتميّز الطروحات وخصوصيّتها بناءً على معرفة مسبقة بإنجاز أصحابها ضمن المجال، وليس لشيوع الأسماء والتنويع على حصص البلدان والمؤشر التصاعدي لعدد المشاركين، آخذين بالحسبان القيمة والنوعيّة، وليس العدد أو الكَم.
الملاحَظ على كثير من تلك المؤتمرات والملتقيات، محليّاً وعربيّاً، انعقادها بعناوين عادةً ما تكون عامّة، بحيث تسمحُ بتجميع أوراقٍ لا تخلقُ بدورها حالةَ حوار وسِجال ثقافيين ومعرفيَّين بخصوص مسألة إشكاليّة راهنة ومحل خلاف: حوار وسِجال ينخرط فيهما معنيّون حقيقة بهذه الإشكاليّة، ومحيطون حقاً بأبعادها.
وللتدليل على هذا؛ يمكن لأيّ مراجع التأكد من هذا الزعم بقراءة تلك الأوراق التي قد تكون ذات معنى إذا ما نُشرت في مجلة أو ملحق ثقافي، غير أنها ليست أجزاءً من فسيفساء يتشكّل على نحوٍ تكامليّ يفرضُ تأملاً وبحثاً بعد انقضاء أيام اللقاء. وهكذا يضيعُ الهدف أو تميع الغاية، ولا يبقى حاضراً في الذاكرة سوى ضجيج التجمهر في بهو القاعات والفنادق.
ولا ننسى، في الوقت نفسه، مجموعة التغطيات الصحفيّة الخالية في الغالب الأعمّ من أيّ تحليل لمجريات الندوات (عابر سريع أو عميق)، والصور، وكلمات الافتتاح والختام وورقة التوصيات التي، غالباً، ليست قابلة للتطبيق، اللهم إلاّ التصميم على مواصلة انعقاد المؤتمر في موعده السنويّ، لحصد المزيد من الإنجازات المعرفية! وهذا كلّه هو ما ينبغي الحرص على أرشفته ضمن ملف يُرْفَع للمسؤلين لدى الجهة «الراعية» أو «المنظمة»، كشهادة على «نجاح الفعاليات»، وبالتالي على مبرر الاستمرار!
ليس جديداً القول إنّ اللازمة، قبل تلك المؤتمرات والملتقيات وخلالها وبعدها، المتداولة بين «المؤتمرين والملتقين»، هي:
صحيحٌ أننا لم نجد جديداً، ولم نخرج سوى بحفنة قليلة من أوراق ذات مستوى؛ لكننا اجتمعنا وتعارفنا (وهذا أفضل ما في مؤتمراتنا وملتقياتنا)، إذ من دونها ما كنّا لنلتقي. فأنتَ في القاهرة، وأنا في عمّان، وهو في الرباط، وهي في صنعاء، والأستاذ في باريس، والبروفيسورة في لندن.. إلخ!
أهذا هو الجواب عن سؤال: لماذا تُعقد مؤتمراتنا وملتقياتنا؟
قد لا أكون رسمت الصورة بكاملها (حتماً لم أفعل)، غير أنني أزعمُ أنّ ما أشرتُ إليه لا يختلف حوله اثنان فما بالك بعشرات وعشرات المؤتمرين والملتقين؟
عن الزميلة الرأي