أدب النساء إشكالية التسمية ام عقبة الإبداع ؟ تربة بنت عمار

لقد  أثار إنتساب الأدب لجنس معين جدلا نحى منحا فكريا حين اعتبر البعض ان  تصنيف الإنتاج تصنيفا جنسيا قد يحد من القيمة العلمية للإبداع إلا إذا كان  هذا الإبداع يحمل هموم جنس معين حيث يكون الشعر أو الكتابة يجسدان

معانات فئة النساء مثلا وهذا النوع يندرج تحت الأغراض المبتكرة مثل : أدب السجون و أدب المقاومة وحتى ادب الأطفال الذي يخاطبهم بطريقة طفولية بريئة و ما إلى ذلك، أما إذا كان الأدب أو الإنتاج تصويرا لوشائج وجدانية حرة ليس لسلطان الجنس عليها سبيل مثلا: ولادة بنت المستكفي إحدى الشاعرات الرائدات سليلة بيوت الإمارة الأندلسية عندما عبرت عن ما تكنه لعشيقها ووزير أبيها أبن زيدون قالت:
ألا هل لنا مــن بعد هــــذا التـــفرق سبيل فيشكوا كل صبَ بما لقــــي

و قد كنت أوقات التزاور في الشتاء أبيت على جمر من الشوق محرق
فكيف و قد أمسيت في حال قطعة لقد عجل المقدار ما كنت أتقــــي
تمر الليالي لا أرى البين ينقضي ولا الصبر من رق التشوق معتقـي
أما ابن زيدون فإنه بادلها الشعور نفسه مشتكيا من جوى الهجران و قال قصيدته المشهورة و التي مطلعها:
أضحى التنائي بديلا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
فإننا لا نستبين الفرق الجنسي بين التعبيرين فكلاهما محب مشوق يشكو ولع الفراق ولا نستطيع أن نلامس الخيط الأنثوي أو الذكوري في كلا التعبيرين .
أما إذا كانت المرأة تشكو حرمانها من الامتيازات و تجسد من خلال إبداعها تجربتها مع التهميش والتغييب، وتطوع الخطاب الادبي لتجعله وسيلة تعبيرية امينة لتبليغ معانتها الأنثوية، فإن التسمية تحظى بنوع من الموضوعية ، هذا إذا كانت المرأة تنظرللموضوع من زاوية العقبات التي تعترض طريقها ككاتبة أو شاعرة أو مؤلفة فإن الموضوع خصب و ذو شجون.
فرغم ما حظيت به المرأة المعاصرة من اهتمام كبير وحملة إعلامية براقة إلا انها لم تستطع أن تلامس عمق الإشكال حتى صارت صيحات التحرير مجرد تغريد خارج السرب أو نية حسنة لم تصادف هوى و لم تلق صدى في نفسية المجتمعات العربية التي تحكمها سلطة ذكورية هيمنت منذ عشرات القرون بمنهجية صارمة استطاعت أن تختزل إنتاج المرأة الفكري والأدبي في أغاني و رقصات فلكلورية تافهة نائيين بها عن منافسة الرجل في كماليته الإنسانية و أحقيته في الإبداع. وهكذا ظلت المرأة عبر تاريخها الطويل رهينة طوق سياج من التراكمات الثقافية ذات الروافد المتعددة، وظلت موهبتها مطمورة في زنزانات الذاكرة.
و بهذه المنهجية لجأن النساء للتعبير خلسة وبأسماء مستعارة وضاع أدبهن فلم يصلنا منه إلا شذرات قليلة جدا، وصارت كلمة: قالت إعرابية، رمزا للمجهول، و هذا يعني أن فصول مسرحية تغييب المرأة سلسلة متصلة الحلقات منذ العهد الجاهلي وحتى يوم الناس هذا، و هنا نتفق مع الكاتبة المغربية المثقفة الواعية بما يكتنف أدب النساء من تهميش و إهمال و هي د/ فاطمة المرنيسي حيث قالت: «ينبغي أن ندرس الاستثناءات و الحالات المهمشة و كل ذلك لكي نفهم - تاريخ - النساء وهو تاريخ محكوم عليه بأن يغيب عن الخطاب شأنه في ذلك كشأن تاريخ الفلاحين أو الفقراء ...».
مع أن التجارب العلمية أثبتت أن المرأة كاملة الأهلية الإبداعية وأن لديها قابلية امتلاك المادة الرمادية التي تجعل الدماغ مهيئا للإنتاج ، إلا أن التربية و الظروف المحيطة بنشأتها و تربيتها هي التي تساهم بشكل كبير في إعاقة نمو تلك الموهبة وتتحكم في بناء سيكولوجيتها لتجعلها ضعيفة لا تمتلك مقومات الإبداع الناضج، و قد انقسمت العوائق عدة أقسام و ظهرت في تجليات ثقافية واجتماعية و نفسية ، منها ما يعيق و يسد الباب أمام المرأة على أنها لم تخلق للعلم و لا للإبداع مثل ما يقول أحد الشعراء:
ما للنساء و الكتابه و العمالة و الخطابه
هذا لنا و لهن مـنا أن يبتن على جنابــه
و يقول آخر:
يا قوم لم تخلق بنات الورى للدرس والطرس و قال و قيل
لنا علــوم و لها غيــرها فعلموهن كيف نشــر الغسيـل
والثوب و الإبرة في كفها طرز عليــه كـل خط جميـل
أما العقبة الثانية، فهي المنبثقة من عمقنا الحضاري و خصوصيتنا الثقافية كمجتمع عربي كان يواري التراب على صغيرته، فقد قال أحد علمائنا الأجلاء قولته المشهورة لإحدى النساء اللواتي حظين بميزة نادرة من العلم والشعر، فقال لها: «المرأة كلها عورة» اعتبرها البعض استحسانا منه لقولها، إلا أن المتدبر في البعد والمرمى من مقولته في تجلياتها مجرد إنذار وضوء أحمر أمام تلك الموهبة النسائية المتألقة في أفق سماء أمة لا تدع الأفق رحبا لإنتاج النساء و خاصة الناحية الفكرية والأدبية والسياسية... وما عدى ذلك من المجالات فلا يروا غضاضة في وجود المرأة فيه من نسيج و حياكة و دباغة وما إلى ذلك من حرف يدوية ...
تربة بنت عمَار- كاتبة موريتانية.

الكاتب: اسرة التحرير بتاريخ: الخميس 03-05-2012 12:33 صباحا  الزوار: 359    التعليقات: 0

البث المباشر تلفزيون عرارالبث المباشر لاذاعة عرار للشعر والثقافة والأدب العربية ::Radio 3arar Live


 
العناوين المشابهة
الموضوع القسم الكاتب الردود اخر مشاركة
الأصالة والإبداع....بقلم حمزه الشوابكه مقالات كتاب عرار اسرة التحرير 0 الإثنين 24-09-2012
شعر التبراع في موريتانيا.. عندما يولد ... مقالات كتاب عرار اسرة التحرير 0 الجمعة 11-05-2012
الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف