عمان- أحمد الطراونة - عرضت على مسرح عمون - عمارة الصايغ، مسرحية «تحت الجسر»، وهي مسرحية سياسية غنائية ساخرة من أخرج خالد البندي، تهجو الفساد وتسخر من الحالة التي وصل إليها الفنان الأردني.
جاءت «تحت الجسر» من تأليف خالد البندي وسمر خالد، وبمشاركة فرقة بني معروف الاستعراضية التي أدت عددا من اللوحات الراقصة خلال العرض المسرحي وشاركت فيه كجوقة أيضاً، والمطرب الذي شارك بمسابقات السوبر ستار محمد رافع، إضافة للفنان المبدع فهد الهوادي، وعبد القادر، ونشأت، وعبد الكريم، وشهد، وأنس، وشيرين، ومحمد، وفيصل. حسب مخرجها لتطرح جملة من الأسئلة كان من أهمها: لماذا يغيب الفنان الأردني عن الساحة الآن؟ ولصالح من يغيب؟
وهي إشارة واضحة التقطها الحضور توحي بغياب دور الحكومات عن الإسهام في المشهد الثقافي، مما أوصل الفنان لما هو عليه من التردي والتراجع عن ركب الفنان العربي أو الفنان العالمي رغم انه كان يتسيد المشهد في ثمانينيات القرن المنصرم.
وتعيد المسرحية إلى الأذهان ما قام به الفنان الأردني حيث شيع فنه في مشهدية مؤلمة وفي صرخة حادة في وجه كل من يعبث بثقافة الدولة، حينما شنق المخرج العود، والنص، والقلم، وترك أحبالا أخرى تتدلى لشنق رموز أبداعية جديدة، ودفع بالفنان لأن يثمل تحت جثثهم لينسى ما كان، وتتساءل بحرقة، كيف يتدنى مستوى الفن ليقوم التشكيلي المبدع بنشر لوحاته على أطراف الشوارع بعد أن تعب في نشرها في المعارض ولم تجلب له إلا النحس، مما اضطره لاستخدام فرشاته لتنظيف أحذية الناس كي يؤمن قوت يومه؟ وكيف يركض الفنان خلف الرغيف الذي أصبح بسرعة الضوء، وكيف يتألم المطرب والموسيقار الحقيقي الذي غنّى لعمان وللأردن بصوت شجي، بعد أن ذهبت المؤسسات المعنية في دعم الفنان إلى دعم الأعمال الرديئة، والكلمات الفارغة من المضامين الوطنية أو ما يسمى بالأغنية ذات الدم الخفيف مما حدا بالفنان الحقيقي الذي لاذ بالصمت إلى أن يقرع الخزان، خاصة في ظل الغزو الرهيب للفضائيات المبتذلة والأعمال الرخيصة التي سيطرت على الشاشات وحيدت العمل الجميل الذي يرتبط بالأرض والإنسان ويكوّن علاقته معهم.
وكان المخرج قد استوحى تمثالا يمثل الضمير الجمعي للناس، أقصاه في بداية العرض وجعله متفرجا، ليدخله كمنتقد للجهات التي أغفلت دعم الفنان، وينتقد الفنان نفسه الذي انسحب من المشهد ليقف خلف الستارة، ويسهم كصاحب قضية بخذلانها وان يرضى أن يقدم أعمالا هابطة تحت مسطرة صاحب رأس المال، ليصل به الحال إلى بيع الترمس والشاي وتنظيف الأحذية ولا يدافع عن قضيته الأساسية التي تتعلق بحياته وحياته الأمة التي هو من يعبر عن رسالتها.
وتقدم المسرحية الفنان كجزء من حالة عامة تسود البلد وهي الابتعاد عن دعم القطاعات المهمة لصالح قطاعات غير إنتاجية، وان المسؤول قد حلل لنفسه ما حرمه لغيره، وذلك تحت حجة غياب الميزانية، رغم أن الفنون هي الأهم في سلم البلدان المتحضرة فالدولة التي لا تحترم الفن والثقافة لا تحترم ذاتها، لتقدم المسرحية سؤالها الأهم، لماذا يغيب الفنان الأردني، أو لصالح من يغيب هذا الدور؟.
وجاءت هذه اللوحات وغيرها من اللوحات الغنائية والراقصة مدعومة بخلفيات مشهدية توحي بأن ما يحدث هو ثورة أو ربيع عربي فني تحت جسر، في إسقاط سياسي واضح يحيل المتلقي إلى جسر الداخلية الذي جرت تحته بعض الاعتصامات، ليتنبه المخرج إلى أهمية أن هذا الاعتصام الفني الناقد غير مدعوم ويرفض الدعم من أي جهة أخرى، ويرفض الإعلام الذي يزوّر الحقائق، وان ما يحدث هو عتب، وصرخة من ابن في وجه أبيه ليلتفت له.
بقي أن نقول، مسرحية «تحت الجسر» ربيع فني من مجموعة من المبدعين الشباب الذين شعروا بغياب الكبار عن رسالتهم، فاجتمعوا تحت جسرهم ليقولوا كلمتهم، وأنها مسرحية تستحق الدعم ليس لفكرتها فقط وإنما لحملها هذه الوجوه الشابة في رحلة الفن الأردني.