القيسي: نعيش عولمة لا تعترف بالخصوصيات

عمان-  إبراهيم السواعير - ينظّر عضو لجنة الإصدارات والنشر والمسابقات الإبداعية  في مادبا مدينة الثقافة الأردنية 2012 د.فايز القيسي، للحالة الثقافية  بانطلاقه من أنّه بات غنيّاً عن القول إن وظيفة المثقفين من المفكرين

والقاصين والباحثين والشعراء والكتاب، وآخرين من دونهم من أرباب الأقلام، وأعلام الكلام، وأهل الرأي والمشورة، في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها الأمة، أن يقدموا لمجتمعهم رؤية ثقافية حية، توقظه من سباته، وتعيد إليه ثقته بنفسه، في ظل ما نحن عليه من تراجع في ميادين الفكر والإبداع والمواجهة الثقافية.
ويمهّد القيسي، أستاذ الأدب العربي في جامعة مؤتة، بأن المثقفين هم أكثر الناس إحساساً بما تعاني منه أمتنا من امتهان تحت وطأة الغزو الفكري والحضاري الأجنبي، الذي ينسل إلينا من كل حدب وصوب. مضيفاً أننا ونحن نقف اليوم على بوابات مادبا مدينة الثقافة بحاجة ملحة إلى القول إننا بحاجة إلى رؤية ثقافية واضحة المعالم محددة الخطوط، بعيدة المدى، يسهم من خلالها المثقفون والمبدعون والباحثون وغيرهم من أصحاب الرأي، من أبناء الأردن، مع أمثالهم من أبناء الوطن العربي الكبير، في إعادة ماضي أمتنا الثقافي المجيد، ودورها في البناء الحضاري الإنساني، لتكون أمة نابضة بالحياة، ماضية إلى الأمام، أدبها وعلمها وفنها وفكرها وفلسفتها تزدهر بغير انقطاع، أمة تأخذ الحكمة وتقتبسها من الأمم الأخرى، وتمنحها حياة جديدة، وذلك هو سبيل الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة، التي تهدف إلى خلق جيل قوي واع، لا يتجاهل مشكلات العصر، ولا يتنكر للهوية الثقافية الوطنية أو للتراث أو يستخف به.
يظن القيسي، وبعض الظن ليس إثماً، كما يقول، أن هذه هي الثقافة التي نريدها، والمثقفون - وفيهم أعضاء اللجنة العليا لمادبا مدينة الثقافة الأردنية- وحدهم مندوبون إلى رسم إستراتجيتها وتحديد معالمها.

الوزارة والمثقف
ويؤسس القيسي على ذلك بدعوته: (هؤلاء المثقفين) أن يفكّروا، إذن، مع وزارة الثقافة وهم يقفون اليوم على ثغرة من ثغر العمل الثقافي المهم، في السبيل إلى رسم رؤية ثقافية أصيلة عميقة تكفل لهذا الوطن ولهذه الأمة - التي نعتز بانتمائنا إليها- بناء إنسان يستوي عنده الفكر والعمل، إنسان ترتفع إرادته إلى مستوى عقله؛ لينتج عن هذا الإنسان النادر في شخصيته نشاط روحي خلاَّق قادر على أن يحول هذه المثل العليا البعيدة التي نؤمن بها إلى وقائع يومية قريبة.
ويحذّر مما قد يؤول إليه (أمرنا) إن لم نعقد العزم على أن نغير ما بأنفسنا - (فما أظننا نستطيع أن نتخيله)؛ ناصحاً بأنّ علينا أن نخوض غمار معركة عظيمة دون توانٍ، وهي معركة الحفاظ على الهوية الثقافية الأصيلة، في ظل العولمة التي لم تعترف بالخصوصيات الثقافية ....، معركة المبادئ والأخلاق والقيم العليا، والمثل الأصيلة.
مهتمّاً بما ورد في محاضرة وزير الثقافة د.صلاح جرار(استحقاقات العولمة ومتطلبات الأمن الوطني) التي ألقاها في جوار مدينة الثقافة مؤخراً، يرى د.القيسي إنها- الحفاظ على الهويّة- مهمة لا نستطيع أن نؤديها بوسائل آلية مستوردة من الخارج، بل بإصلاح عميق، وصهر تام لطاقاتنا الروحية والفكرية، مبيّناً أنّ ذلك هو سبيل الثقافة العربية الأصيلة، التي تهدف إلى خلق جيل قوي، يبتغي أبناؤه عظائم الأمور، ويضحون بأنفسهم في سبيلها.
ويرى القيسي أن الأمر يستدعي أن تقوم هذه الرؤية الثقافية على المواءمة بين حاجاتنا المعاصرة، وتراثنا الثقافي الوطني، أي بين الأصالة والمعاصرة، بحيث يندمج الأمران في بوتقة واحدة، تنسج فيها خيوط التراث الثقافي مع خيوط العصر نسيج اللحمة والسّدى،..(فنحن من أمة جعل الله فكرة التوازن والوسطية مرتكز وجودها واستمرارها).

العمل المؤسسي
يبني القيسي رؤيته على أن أعضاء اللجنة العليا لمادبا مدينة الثقافة الأردنية يعلمون علم اليقين أن إقامة مدينة الثقافة الأردنية كانت وما تزال تعبيراً عن العمل الثقافي المؤسسي الذي نشأ وترعرع في رحاب الوطن، على مدار أعوام ممتدة، في سبيل رفد الحركة الثقافية، في الوطن وأرض الأمة يكل نافع ومفيد، والإسهام في مد جسور التفاعل بين المبدعين من الشعراء والكتَّاب والفنانين والباحثين وغيرهم من أرباب الثقافة في ربوع الوطن الصغير، من جهة وبينهم وبين أمثالهم في ربوع الوطن العربي الكبير من جهة ثانية.
ويرصد فلسفة مدن الثقافة بأنّ التطلع كان كبيراً لأن تكون مدن الثقافة  طوال سنوات عديدة، في عطائها الثقافي كالشجرة الطيبة أصلها ثابت في عمان، وفروعها ممتدة في مسالك أرض الوطن ودروبها، في إربد والكرك والسلط والزرقاء ومعان وغيرها من حواضرنا، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وبإخلاص أبنائها، مضيفاً أنه كان المأمول أن تغدو هذه المدن عمَّانات جديدة في ظل رعاية حثيثة تلقاها من لدن وزارة الثقافة.

الثقافة الوطنية
شعور القيسي بالواجب نحو مدينته مادبا يدفعه إلى التذكير بأننا بحاجة ملحّة، ونحن نقف على بوابات مادبا مدينة الثقافة الأردنية لعام 2012، إلى تقديم خطة بعيدة المدى للعمل الثقافي المؤسسي في المحافظة، تستمد خطوطها من الإستراتيجية الثقافية الوطنية، وتسهم بتعاضد جهود المثقفين والمبدعين من الشعراء والكتّاب والفنانين والباحثين في المحافظة وبقية حواضر الوطن، في أن تعيد للمدينة ماضيها الثقافي العريق، الذي بدأ مع تأسيس إمارة شرق الأردن، يوم رفع العلامة روكس بن زائد العزيزي راية المسرح في ساحاتها، واستمر عبر عقود متتالية، بين مدٍّ وجزر.

الخطّة الثقافية
وتنسحب على مدينة الثقافة الخطّة الثقافيّة الواعية، (التي نحتاج إليها)، كما يرى القيسي، لتعيد للمدينة - المحافظة دورها الحضاري لتكون أنموذجاً لمدينة أردنية أصيلة ومعاصرة نابضة بالحياة، ماضية إلى الأمام، بهمة أجيالها الواعية التي لا تتجاهل مشكلات العصر، ولا تتنكر للهوية الثقافية الوطنية أو تستخف بها.
وهي المدينة الحية، في رأيه، التي تستمد وجودها وعطاءها الحضاري من أنموذج الزمان الذي أعطاه اندماج أبنائها من المهاجرين والأنصار، من المسيحيين والمسلمين في بوتقة واحدة، ونسجوا فيه خيوط علاقاتهم نسيج اللحمة والسدى.
يسترسل القيسي بتأكيده أننا نعلم علم الأمس واليوم أن مادبا المدينة - المحافظة ممتد حبها في شرايين أبناء الوطن ووجدانهم، وساكنة على صفحات كتب طلبتنا في المدارس والمعاهد والجامعات، وفي ثنايا قصائد شعرائها، وقصص روادها؛ فهي عزيزة تظل ومنها الغناء ومنا الصَّدى، وهي أقرب إلينا من حبل الوريد.

ظلال المساجد والكنائس
ويزيد القيسي بأنّ أبناءها قد تقاسموا في ظلال مساجدها وكنائسها، الملح والزاد، حتى غدت عبر تاريخها المشرق مثالاً للعيش الإسلامي - المسيحي المشترك، ويتيمة الدهر، وتحفة التاريخ، ومنارة الأيام، وملتقى المهاجرين والأنصار، وهمزة الوصل بين مدن وطننا، يتقاسم أبناؤها وساكنوها عطرها العبق الفواح من وادي الهيدان، والوالة، وماعين، وجرينة، وكفير الوخيان وغيرها، ويتفيأون ظلال كرومها في عيون موسى، وحسبان، وذيبان، وماسوح وغيرها، ويهتدون بنور مجالس رجالاتها في القصبة؛ فهي المدينة الحاضرة في الزمان الأردني والتراث العالمي كله.

اللجنة العليا
من ذلك ينطلق القيسي من أنّ أعضاء اللجنة العليا لمدينة الثقافة، يتحملون عبء مسؤولية كبيرة في أن يرسموا خطة عمل قادرة على تطوير الفعل الثقافي المؤسسي الذي نشأ وترعرع في رحاب المدينة، على مدار أعوام ممتدة، ورفده بعدد من الأفكار والرؤى الثقافية التي تكفل لها الاستمرار بالقيام بدورها الثقافي، من خلال تعاون مديرية الثقافة مع المؤسسات الثقافية والهيئات والأندية الشبابية، والملتقيات الثقافية، والنقابات المهنية على اختلافها، والاتحادات النسائية، وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني، في المحافظة وخارجها.
على اللجنة أن تتبنّى خطة تنفيذية تقود إلى تحويل تصورات أبنائها ومثقفيها ومبدعيها إلى وقائع وإنجازات ثقافية ملموسة، انتظروا إيناعها منذ زمن بعيد، وحان الآن زمن قطافها؛ فهم، عند القيسي، معنيون بتبني خطة ثقافية تسهم في إنجاح مادبا مدينة الثقافة  بعيداً عن خطط اللجان الفرعية  التي بدت تمشي وئيداً.

مجلة ثقافية
يرى القيسي أنّ من الضروري الالتفات إلى أن تتضمن الخطة الثقافية للمدينة التي يجب تبنيها عناصر ومفردات قادرة على إبقاء المدينة، طوال سنوات ممتدة، منارةً، في عدد من المجالات الثقافية؛ وأن يبقى هذا الدور مفتوحاً على المستقبل. ويذكر القيسي من هذه المفردات عقد لقاءات وندوات ثقافية: أدبية ودينية وتربوية واقتصادية وسياسية وتوعوية وغيرها، مرّة كل أسبوع، على مدار العام، تستضيف فيه المدينة عدداً كبيراً من أولي الرأي وأصحاب الخبرة، وذوي المعرفة في مختلف حقول المعرفة الإنسانية، حتى تغدو المدينة منبراً ثقافياً من منابر الوطن التي يتبادل فيه المبدعون والباحثون والطلبة والعلماء وغيرهم من ذوي الاهتمام الرأي والمشورة في مختلف شؤون الوطن في إطار من الحرية المسؤولة، واحترام الرأي والرأي الآخر.
كما يذكر أن تتضمن الخطّة إصدار مجلة ثقافية تعنى بنشر الإنتاج الثقافي والأدبي والفني لأبناء المدينة- المحافظة، إلى جانب إصدار عدد من المؤلفات التاريخية والثقافية والفكرية التي تدور حول المدينة، أو خطَّتها أقلام أبنائها، من الباحثين والدارسين والشعراء والكتاب، في مختلف مجالات الإنتاج الفري والأدبي.
مؤتمر مادبا
ويدعو، أيضاً، إلى عقد مؤتمر علمي ثقافي، حول « مادبا: جماليات المكان ومفردات الحضارة و أخلاقيات الإنسان»، يشارك فيه عدد من الباحثين والمختصين والأدباء في مختلف مجالات الحياة ذات العلاقة بماضي المدينة ومستقبلها، ويسهم في الإفادة من العناصر المضيئة في تاريخ المدينة وحاضرها؛ لتنير لنا بعض الجوانب من تاريخ المدينة ودورها الحضاري، التي ما تزال بحاجة ماسة إلى الدراسة والبحث والتحليل، في مختلف مجالات الحياة، وبناء طاقات أبنائها الخلاقة، وبعث الثقة في نفوسهم بقدرتهم ثقافياً وفكرياً وفنياً على العطاء الحضاري والإسهام في مسيرة الوطن الحضارية، نحو الرقي والتقدم بعزم واقتدار.

تدوين التراث.
يؤكّد القيسي أننا مطالبون أن نكتب اليوم عن مادبا وإليها، وأن نقرأ  في سيرتها الأولى وعطاء أبنائها المتجدد؛ لنرد إليها بعض ما وجب، فهي، كما يقول، قد ارتقت في أعالي الوطن، و(يسهر الخلق من المبدعين وطلبة العلم، والباحثين والدارسين دون صيتها وتاريخها وجمالها ويختصمون.).
يرى القيسي أنّ من الأهميّة بمكان رسم خطة محددة الأبعاد لتدوين تراث هذه المدينة المعنوي والمادي الشعبي، فهو ذاكرة المدينة، وعنوان هويتها، ومستودع أفكارها، وجماع إبداعات أبنائها، ولهذا فإن العناية بالجوانب الحية من هذا التراث قراءة، وتحقيقاً وإحياءً، تعد ضرورة ملحة في هذا الزمن الذي، كما يقول (نفتح فيه أعيينا على تراجع الاهتمام بهذا اللون من التراث، تحت وطأة عوامل داخلية وخارجية مختلفة.).
الجوامع المشتركة.
كما يرجو القيسي استخدام الثقافة بتجلياتها المختلفة وسيلة لتعظيم الجوامع المشتركة، واحترام الفوارق بين أبناء المدينة، إلى جانب استخدامها وسيلة للتغيير الإيجابي في سلوكيات شباب المجتمع، من خلال إحداث الوعي الاجتماعي بالقضايا والمشكلات التي تهدد الأمن الاجتماعي- الثقافي وسبل معالجتها، ذاكراً: ظاهرة إطلاق العيارات النارية والجلوة العشائرية، والتوعية المرورية والبيئة، والعنف في الجامعات وغيرها. فالعمل الثقافي الجاد، في تصوّره، يقود إلى تغييرات وتحولات على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والتربوي، وله انعكاسات إيجابية على المجتمع المحلي، فهو ذو ارتباط عميق بالبنى الاجتماعية والاقتصادية، وأساليب التفكير والسلوك في المجتمع، ولا شك أن هذا الفعل سيكون من أهم المناحي المائزة لتجربة مادبا الحضارية.

توثيق المدينة
يذكر القيسي أنّ إعداد فيلم وثائقي قصير يحكي قصة المدينة وتاريخها وجماليات أمكنتها وشاعريتها، بلغات مختلفة، هو أمر يعد ضرورة ملحة ذلك أن هذه المدينة قد تبوأت مكانة رفيعة في التراث الإنساني، يحج إليها السائحون والزوار من كل بقاع الدنيا، وهم ينشدون الاطلاع على فسيفساءاتها التي تنبثق من مرصعاتها صور ناطقة، وحكايات تأخذ الألباب وتأسر العقول، وتكشف عن عظمة الإنسان على هذه الأرض التي باركها الله عز وجل، وجعلها فريدة بين مدن الأرض.
يدرك القيسي أن رسالته إلى أعضاء اللجنة العليا لمادبا مدينة الثقافة الأردنية ذات شجون،..(وقد يكون حالي في مخاطبتهم « كمستبضع التمر إلى هجر «، فهم « أهل الثقافة « والأدرى بشعابها ومسالكها ودروبها؛ ففيهم الأستاذ والمفكر والقاص والباحث والشاعر والكاتب، وآخرون من دونهم من أرباب الأقلام، وأهل الرأي والمشورة وقد آمنوا برسالتهم الثقافية وبمسؤوليتهم الوطنية، وحملوها، وآمل أن يكونوا عاملين في سبيل أن تنجح مادبا في القيام بدورها الثقافي المأمول.).

الكاتب: اسرة التحرير بتاريخ: السبت 14-04-2012 10:35 مساء  الزوار: 407    التعليقات: 0

البث المباشر تلفزيون عرارالبث المباشر لاذاعة عرار للشعر والثقافة والأدب العربية ::Radio 3arar Live


 
الرد السريع
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف